بين احتفال الولايات المتحدة بمرور 250 سنة على الأمة الأميركية، ومراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي في طهران، وروح النصر التي تغمر النظام الإيراني منذ وقف إطلاق النار، تبدو الأيام القادمة حرجة للمستقبل الأمني في المنطقة، فيما يتعلق بـ«اتفاقية الإطار» بين إسرائيل ولبنان، وبـ«مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران.
سيسعى الأميركيون إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني، والحصول على ما يسمونه «الغبار النووي»، بينما سيطالب الإيرانيون بـ«صك الملكية» لمضيق هرمز، بما يسمح لإيران بأن تكون الأغنى والأقوى في المنطقة.
أما إسرائيل «اللاعب الثالث»، فتجد صعوبة بالغة في تقبل حقيقة أن القيادة الأميركية اختارت طريق التسوية السياسية والسلام مع طهران، بدلا من المواجهة النارية معها، وأن الاتفاق مع إيران تم من فوق رأسها.
ومنذ نشر مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، تجد تل أبيب نفسها في تحدٍّ كبير حول كيفية الانقضاض على التفاهمات التي تتبلور في الملفين الإيراني واللبناني، والربط بينهما، دون أن تبدو كأنها تحاول إفشال عملية التسوية وإغضاب الرئيس الأميركي ترامب.
وتبدو الساحة اللبنانية شديدة الحساسية بالنسبة لإسرائيل بعد «اتفاقية الإطار» التي تم التوصل إليها برعاية أميركية، والتي يعتبرها الرئيس ترامب إنجازا شخصيا له يجب الحفاظ عليه، وتعكس إلى أي مدى ترى واشنطن أن استقرار لبنان جزء من الجهد الواسع الذي يهدف إلى التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران باعتباره هدفا استراتيجيا.
وفقا لإيال كوهين، الخبير الإسرائيلي في العلاقات الخارجية، فإن لبنان نفسه أصبح يمثل حالة مختلفة تماما عن إيران؛ فبينما يدور النقاش الأميركي حول كيفية التعامل مع النظام الإيراني نفسه، وإحداث تغيير جذري في سلوكه، فإن الهدف الأميركي في لبنان أصبح مختلفا تماما. وحسب كوهين: «بينما تنظر واشنطن إلى حزب الله على أنه المشكلة، فإن الدولة اللبنانية أصبحت اليوم بالنسبة لواشنطن جزءا من الحل، وتنظر إلى لبنان اليوم كقصة نجاح هشة ينبغي الحفاظ عليها وتنميتها؛ فللمرة الأولى منذ سنوات مديدة، يتمتع لبنان برئيس جمهورية (جوزيف عون) ورئيس وزراء ينظر إليهما في الغرب بأنهما براغماتيان ومنفتحان على التعاون مع الولايات المتحدة بما يتماشى مع مصلحة لبنان».
ومن هنا يمكن فهم فرملة واشنطن لتل أبيب لاستهداف بيروت والمؤسسات اللبنانية؛ فبالنسبة لتل أبيب فإن قوة النيران تمثل امتدادا محوريا للضغط على حزب الله وبيئته، والنظام السياسي اللبناني الذي سمح له بالازدهار والتمدد. أما واشنطن فإنها ترى، وبشكل معاكس، أن ذلك يقوض الحكومة اللبنانية التي تتمتع بأعلى إمكانات للتعاون مع واشنطن منذ سنوات، وأنّه هجوم على الهيئة الوحيدة التي تدير لبنان.
غير أن نتنياهو ووزير جيشه كاتس يصران على التعامل مع لبنان كملف أمني، والبقاء فيما يعتبرونه «منطقة الأمن الأمامية»، أو المعروفة باسم «خط دفاع مضادات الدبابات»، والتي تهدف إلى منع القصف المباشر على المستوطنات الشمالية؛ فبعد الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، نشرت إسرائيل خريطة بخط أصفر جديد في جنوب لبنان، تُقدّر مساحتها بأكثر من 600 كيلومتر مربع، وتضم نحو 60 قرية.
ويحذر قادة الرأي في تل أبيب من الوقوع في الفخ اللبناني، ومن عودة الشريط الأمني القديم بمصطلح جديد وهو «الخط الأصفر»، ومن المبالغة في الاحتفال باحتلال مرتفعات لبنانية كما جرى في قلعة الشقيف اللبنانية، «كما لو أنها الحي اليهودي في القدس بعد حرب الأيام الستة».
فيكتب رونين بيرغمان في صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية أن تمركز الجيش الإسرائيلي على مشارف النبطية ومرتفعات البوفور وعلي طاهر لن يجلب الأمن لمستوطنات الجليل ضد صواريخ حزب الله والطائرات المسيّرة بالألياف الضوئية، وأنه من وجهة نظر تل أبيب فإن هذه منطقة دفاعية متقدمة، أما من وجهة نظر حزب الله ولبنان والعالم، فتبدو احتلالا لمنطقة يتمركز فيها عناصر حزب الله.
لقد مرت إسرائيل بهذا السيناريو من قبل، فقد دخلت لبنان في عام 1982، بهدف ردع التهديدات عن المستوطنات في الشمال، وأنشأت منطقة أمنية عازلة وشريطا حدوديا كمنطق جغرافي، ثم مع مرور الوقت تحولت المنطقة الأمنية إلى فخ؛ فكل موقع في جنوب لبنان يحتاج إلى موقع آخر متقدم لتأمينه. وقد كتب رافائيل إيتان، رئيس الأركان آنذاك، مازحا: «كل تلة أو مرتفعة تسيطر عليها في لبنان، هناك تلال أخرى يجب أن تسيطر عليها لتأمينها، هذه ليست ملاحظة تكتيكية، بل عقيدة الكمين اللبناني».
وبرأي صحيفة «هآرتس»، فإن جلب السلام لشمال إسرائيل لن يتحقق إلا عن طريق التنسيق على أعلى مستوى مع واشنطن، لضمان نجاح «المناطق التجريبية» في لبنان، والسير نحو ترتيبات دائمة معه، وليس عن طريق مراوغة نتنياهو للتهرب من الاستحقاقات الدولية، أو لتفجير «اتفاقية الإطار» مع لبنان.
دعا نتنياهو نفسه إلى البيت الأبيض في واشنطن، فرد عليه الرئيس ترامب علانية: «يعرف نتنياهو من هو الزعيم».


