في عالم يزداد فيه القلق والتوتر النفسي، تتزايد الحاجة إلى أدوات بسيطة يستطيع الإنسان استخدامها لطمأنة ذاته في مواجهة الضغوط اليومية. وبينما أثبتت الأبحاث مراراً أن العناق من الآخرين يسهم في تخفيف الشعور بالضغط والاكتئاب والوحدة، يبرز سؤال جديد: ماذا يمكن أن نفعل في لحظة عزلة، عندما لا نجد أحداً لنمدّ له أذرعنا؟ هل يمكن لاحتضان الذات أن يؤدي الوظيفة ذاتها؟
دراسة علمية جديدة، نُشرت مؤخراً في مجلة الممارسة التمريضية “Journal of Nursing Practice”، حاولت الاجابة عن هذا السؤال. وقاد فريق الدراسة العالمة الإندونيسية يوليا سوسانتي، التي رغبت في اختبار مدى قدرة عناق الذات على الحد من القلق.
ولا يخفى على أحد أن القلق مشكلة واسعة الانتشار. ويعاني منه كثيرون قبل مواقف مصيرية: مقابلات العمل أو الامتحانات أو الأحداث التي تنطوي على ضغوط اجتماعية أو نفسية. وفي هذه الحالات، لطالما اعتُبر العناق من شخص آخر وسيلة فعالة للتهدئة؛ إذ تؤكد الأبحاث أن هذا التلامس الجسدي يقلل من مستويات هرمون التوتر (الكورتيزول)، ويعزز شعور الأمان والانتماء.
لكن ما يعرف بـ”عناق الذات” لم يكن قد خضع للدراسة بصورة علمية منهجية، على الرغم من كونه ممارسة غريزية يلجأ إليها البعض تلقائياً. وهكذا، جاءت مبادرة سوسانتي وفريقها لسدّ هذه الفجوة.
وفي التجربة موضوع البحث، شارك 22 طالباً من طلاب مرحلة إعداد الأطروحات في الجامعة، كانوا جميعاً يعانون من مستويات متفاوتة من القلق. وقبل بدء التدخل، طُلب من المشاركين ملء استبيان “مقياس الاكتئاب والقلق والتوتر”، الذي يقيس الأعراض الجسدية والنفسية المصاحبة لمشاعر الخوف والقلق.
وبعد ذلك، خضع الطلاب لجلسات أسبوعية لعناق الذات امتدت على مدار ثلاثة أسابيع. في كل جلسة، طُلب منهم الجلوس في وضع مريح، وضمّ أذرعهم حول صدورهم بحيث تلامس أطراف الأصابع الكتفين المعاكسين، ليحاكي هذا الوضع عناقاً شخصياً. وخلال هذا الوضع، طُلب منهم تحريك الأذرع والمرفقين إلى الأمام والخلف مدة 30 ثانية، مع ترديد عبارات تحفيزية مثل: “أنا قادر على تخطي ذلك!”.
وأتت النتائج لافتة بالفعل: قبل التدخل، كان 54.5% من المشاركين يعانون من قلق شديد، و27.3% في حالة هلع، و18.2% يعانون من قلق معتدل. بعد ثلاث جلسات من عناق الذات، اختفت تماماً حالات القلق الشديد والهلع بين المشاركين. أصبح 63.6% يعانون من قلق معتدل فقط، بينما انخفضت الحالات الأخرى إلى مستويات القلق الخفيف. التحليل الإحصائي أكد أن هذا التحسن لم يكن محض صدفة، بل ارتبط بصورة واضحة بممارسة عناق الذات.
ماذا تعني هذه النتائج؟ باختصار، حتى في غياب الآخرين، يمكن للجسد أن يكون وسيلة لتهدئة النفس. حين يحيط الشخص نفسه بذراعيه، يرسل بذلك رسالة طمأنة إلى الدماغ، تشبه إلى حد بعيد أثر العناق الخارجي. التكرار الواعي لهذا التصرف، مع التركيز على عبارات الدعم الإيجابي، يعزز من تأثيره النفسي.
تقول الدراسة: “في حالات العزلة أو الضغط الشديد، حيث لا يمكن الحصول على دعم جسدي من الآخرين، قد يشكل عناق الذات وسيلة بديلة فعالة لتخفيف القلق”. وبقدر ما قد تبدو تلك الممارسة بسيطة، تبقى أمراً مثبتاً.


