حين تتنفس البيئة الحاضنة… نار الحرب ونشوة الثأر

محمد شمس الدين

“ضربو ضربو، يلا بسرعة”!

“صوّر… صوّر”َ!

ليست هذه العبارات مجرّد صدى لحظات عابرة، بل باتت جزءاً من نسيج الحياة اليومية في أحياء الجنوب والبقاع والضاحية. في قلب البيئة الحاضنة لـ”حزب الله”، الحرب الايرانية – الاسرائيلية ليست مجرّد حدث إقليمي يُتابَع على شاشات الأخبار، بل مشهد حي يُبصر بالعين المجردة، يُسجّل بالهواتف المحمولة، ويُحتفل به على متن دراجات نارية تجوب الأزقة وهي ترفع أعلام الحزب صفراء لامعة، كأنها تعلن عودة الروح إلى جسد أنهكته الضربات.

هنا، لا يُشاهد الناس الحرب فحسب؛ بل يعيشونها في تفاصيل يومهم. يقفون على أسطح البيوت، في الأزقة، على الطرقات… يتجمهرون كأنهم بانتظار عرض ناري في سماء مشتعلة بالصواريخ، بين الباليستي الايراني والاعتراضي الاسرائيلي. لا أحد في هذه البيئة يسأل: “من بدأ؟” أو “إلى أين ستصل الأمور؟” – فالحرب، بالنسبة اليهم، ليست صدفة، بل استحقاق مؤجَّل، لحظة كرامة طال انتظارها.

لكن ما بين زهو اللحظة، وخفة الانتصار المؤقت، ثمة وجع غائر لم يندمل. هؤلاء الذين يحتفلون اليوم تحت سماء لبنان، كانوا حتى الأمس القريب يبكون منازلهم المحترقة، رفاقهم المقتولين، وأحياءهم التي أصبحت رماداً بفعل القصف الاسرائيلي. منذ أيلول، تعيش هذه البيئة في ظل حداد طويل، بعد فقدان قائدها السيد حسن نصر الله – الشخصية التي شكّلت مرآة وجودها، وعنوان ثباتها، وملاذها الخطابي في لحظات القلق.

ومع ذلك، بدأت الدماء تعود إلى العروق، وكأن الهجوم الايراني أعاد فتح نافذة تنفّس لبيئة كانت على وشك الاختناق. لكن فرحها ليس غافلاً ولا ساذجاً. هو فرح مشوب بالحذر، مليء بالأسئلة والاحتمالات: هل تنجح إيران في الصمود؟ هل هذه بداية النهاية لإسرائيل أم بداية مأساة أخرى؟

في طيات هذه البيئة، تتعدد الرؤى. البعض يرى في الضربات الايرانية شرف المواجهة المباشرة، ولو جاءت متأخرة. آخرون يتحرقون شوقاً لدخول المعركة الآن، كتفاً إلى كتف مع “الحليف الأكبر”. بعضهم، الأكثر واقعية، يدرك أن لبنان لا يحتمل حرباً أخرى، وأنه “أدى قسطه للعلى” بما فيه الكفاية. وثمّة من يهمس بنشوة: “أخيراً أصبحت المواجهة بين إيران وإسرائيل مباشرة، لا بالوكالة”.

ومع أن الرأي يختلف من بيت إلى آخر، ومن شارع إلى آخر، إلا أن المشهد الجامع واحد: فرح واضح، كأنه استراحة من الإحباط، أو جرعة أمل وسط رماد الحصار. فهنا، حيث لا تزال آثار العدوان على المباني والوجوه، لم يعد أحدٌ يثق بأن هناك “رؤية لإعادة الإعمار”، أو أن المجتمع الدولي سيأتي لإنقاذ ما تبقى من حياة. لذلك، فكل صاروخ يسقط على مستوطنة في الجليل، وكل صافرة إنذار تُسمع في تل أبيب، تُقرأ هنا كـ”عدالة شعرية” مؤجلة، و”توازن رعب” منتظر.

لأبناء هذه البيئة، إسرائيل هي الشرّ الأكبر، والمجرم المتسلسل الذي ارتكب المذابح في قانا، وعناقيد الغضب، وغزة، وسوريا، واليمن، والضاحية. فحتى لو ضرب زلزال الأرض تحت أقدام الاسرائيليين، سيجد من يقول هنا: “إنها عدالة السماء”.

لكن، في قلب النشوة، تعيش البيئة الحاضنة سؤالاً وجودياً مؤلماً: ماذا لو خسرت إيران؟ كيف تتعايش هذه البيئة مع مشهد حليفها مهزوماً؟ أي خطاب سيُرمّم مشاعر الخيبة بعد لحظة انفراج خاطفة؟ وهل سيكون من السهل العودة إلى حياة ما قبل “القلعة الصفراء” و”الوعد الصادق”؟

هي لحظة هشّة، لكنها مشحونة بالمعنى. لا أحد هنا يُخطئ بوهم الانتصار، ولا أحد يتجاهل لذة الانتقام المعنوي. وما بين الألم والفرح، القلق والاندفاع، تعيش هذه البيئة على وقع معركة لا تخوضها بالسلاح، لكنّها تمسك بخيوطها الوجدانية والتاريخية – معركة تعتبرها في صميم معركتها.

هي لا تملك طائرات، تملك ذاكرة. ولا تملك صواريخ، تملك رواية. وفي هذه الرواية، كل سقوط في تل أبيب، هو نهوض في الضاحية. وكل ضربة تصيب “العدو”، هي ضماد لجراحها.

شارك المقال