في ظل التوترات الأمنية المتصاعدة على الحدود اللبنانية الجنوبية، يجد مزارعو الجنوب أنفسهم في مواجهة مباشرة مع تهديدات جسيمة تُهدد مستقبل زراعتهم واستقرارهم المعيشي.
لم يكن العدوان الاسرائيلي على جنوب لبنان مجرّد حملة عسكرية عابرة، بل ترك جراحاً عميقة في الأرض والناس، لا تزال تتفاقم على الرغم من توقف القصف. وبينما كان المزارعون يستعدّون لموسم التبغ، باغتتهم الحرب، فحرقت الحقول، ودمّرت المشاتل وشرّدت العائلات.
في القرى الحدودية مثل عيتا الشعب وعيترون وبنت جبيل ومارون الرأس، نزح أكثر من 2,500 مزارع، خسر 90% منهم مورد رزقهم الوحيد. لم يقتصر الضرر على الموسم السابق فحسب، بل ثمة مخاوف من تأثيرات طويلة الأمد على الأراضي الزراعية التي تعرضت لأضرار جسيمة تهدد استدامة الزراعة في السنوات المقبلة.
على الرغم من ذلك، اقتصرت التعويضات المقدّمة من “الريجي” على مبلغ 2.5 دولار عن كل كيلوغرام تم تسليمه في العام 2023 للقرى الأمامية، ونصف دولار فقط لبقية القرى الجنوبية، وهو دعم رمزي لا يعكس حجم الخسائر التي تكبّدها المزارعون. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن إنتاج الجنوب من التبغ يبلغ نحو 4,627 طناً سنوياً، بينما بلغت الأضرار الاجمالية في القطاع الزراعي منذ تصاعد الحرب أكثر من 127 مليون دولار، وفق تقرير صادر عن البنك الدولي.
يؤكد رئيس تجمع المزارعين في الجنوب، محمد الحسيني، في حديث لموقع “لبنان الكبير”، أن “زراعة التبغ تمرّ بمرحلة حرجة هذا العام، في ظل ظروف ميدانية وأمنية صعبة، ترافقت مع استمرار الدولة في دفع عشرات الملايين من الدولارات سنوياً كدعم لهذا القطاع”. وعلى الرغم من أهمية هذا الدعم، يوضح الحسيني أن “تقييم من يقوم فعلياً بزراعة التبغ ومن يكتفي بالحصول على الدعم من دون زراعة، لن يكون ممكناً قبل شهر تشرين الأول، حين يبدأ المزارعون بتسليم محاصيلهم”.
ويلفت إلى أن جزءاً كبيراً من الأراضي الزراعية، خصوصاً في المناطق الحدودية، بات خارج الخدمة كلياً بسبب التهديدات الأمنية والاعتداءات الاسرائيلية المتكررة، ما يدفع العديد من المزارعين إلى التوقف القسري عن الزراعة تحت ما يُعرف بـ”القوة القاهرة”، أو إلى نقل زراعتهم إلى مناطق النزوح إن توافرت الظروف.
كما يشير إلى وجود قرى ممسوحة بالكامل من السكان، خالية من أي نشاط زراعي، ما يجعل من الصعب التحقق من استمرار الزراعة فيها، قائلاً: “حتى البلديات، وهي الجهة الأقرب إلى الأرض، لم تعد قادرة على تقديم معلومات دقيقة حول من يزرع ومن توقف، نتيجة غياب الامكانات وتعقيد الواقع الأمني”.
ويؤكد الحسيني وجود تحوّل تدريجي لدى بعض المزارعين نحو زراعات بديلة، بسبب ما توفّره من أرباح أعلى وتكاليف أقل مقارنة بزراعة التبغ، ما يعكس تغيراً في أولوياتهم تحت ضغط الأوضاع الاقتصادية والأمنية.
في المقابل، يروي المزارع أبو حسن من منطقة أكثر استقراراً أن الأرض زُرعت بالكامل هذا الموسم، ويقول: “الوضع الزراعي جيد ويبشّر بالخير، الشتاء كان مناسباً والتربة أعطت نمواً ممتازاً، لكن العائق الأساسي هو اليد العاملة، فهي باهظة الكلفة ونادرة، وهذا ما يؤخّرنا في بعض مراحل الانتاج”. ويضيف: “لا يمكننا تحديد ما إذا كان الموسم مربحاً قبل الحصاد، فكل شيء مرتبط بالسوق والطلب… إلّا إذا حصل طارئ جديد وانهار كل شيء من جديد”.
أما في بلدة عدشيت، فيوضح أحد المزارعين أن الموسم الزراعي للتبغ يبدو جيدًا، لكنه يتفاوت بين مزارع وآخر بحسب الإمكانات المادية، مؤكداً أن “اليد العاملة والمياه مكلفتان جداً، لذا لجأ البعض إلى استبدال زراعة التبغ بزراعات أكثر ربحية، أو إلى زراعة كمية قليلة منه فقط للحفاظ على الرخصة، بينما يُزرع الباقي بأشجار مثمرة مثل الأفوكادو التي تتطلب كلفة أقل وتؤمّن مردوداً جيداً”.
ووسط غياب المؤشرات الدقيقة، تبقى زراعة التبغ معلّقة بين واقعين متناقضين: أراضٍ مهدّدة ومهجورة بفعل الحرب، وأراضٍ أخرى تتمسّك بما تبقّى من أمل، في انتظار الخريف ليقول كلمته الفصل… بين ورقة نضجت، وأخرى لم تُزرع.
في ظل هذا المشهد، لا يمكن الحُكم على الموسم قبل أوانه، إذ تبقى زراعة التبغ رهينة الظروف الميدانية والأمنية، ولكن المؤكد أن الجنوب اليوم لا يواجه أزمة إنتاج فحسب، بل ينتظره امتحان أوسع: هل يستطيع الصمود كمنطقة زراعية حيّة، أم يُترك فريسةً للإهمال والعدوان؟


