مهرجانات صور… حلم العودة ينتظر الظروف

نور فياض

من يراقب روزنامة الاحتفالات هذا الصيف، يرى أن بيروت والأرز وإهدن وصيدا تحيي مهرجاناتها بكل زخم، على الرغم من الوضع الأمني الذي لا يطالها جغرافياً، فتتحول ساحاتها إلى مسارح مفتوحة، وتزدحم الليالي بالحفلات والحشود. في المقابل، تقف صور على هامش هذا المشهد، مع أنها كانت يومًا من أبرز مدن المهرجانات في لبنان، بصيفيات لا تُنسى على مدرّجها الروماني.

غابت صور عن الخريطة “المهرجانية”، لا إعلان يُنشر، ولا منصة تُبنى، وكأن المدينة التي احتضنت حفلات بحجم جوليا بطرس والشاب خالد، لم تكن يوماً جزءاً من الذاكرة الفنية اللبنانية. لكن المفارقة أن هذه المدينة الجنوبية، على الرغم من الصمت الرسمي، والقصف الذي لا يزال يطال أطرافها، لا تزال تضج بالحياة.

مديرة مهرجانات صور الدولية، رولا عاصي، تعرب في حديث لموقع “لبنان الكبير”، عن أسفها لانقطاع المهرجان منذ العام 2018، حين نُقل آخر حفل إلى قلعة الشقيف. وتوضح أن “الوضع الأمني اليوم لا يسمح بإقامة أي فعالية، فالمسيّرات لا تتوقف، والناس لم تعد تُخاطر بالحضور. في العادة، نملأ المدرّجات بأربعة آلاف شخص، لكن ذلك بات مرتبطاً كلّياً بالاستقرار الأمني”.

وتقول: “أثر الغياب يطال الثقافة أولاً. كنا نستضيف فرقاً من لبنان والخارج، ونسلّط الضوء على صور عبر هذه العروض، لنمنح الناس، خصوصاً أولئك غير القادرين على السفر، فرصة مشاهدة فنّ راقٍ بأسعار تذاكر هي الأرخص مقارنةً ببقية المهرجانات”.

أما على المستوى السياحي، فتشير عاصي إلى أن المهرجان “كان ينعش المنطقة. الزوّار يقيمون في صور، ينامون في فنادقها، ويقضون وقتهم على شاطئها. لهذا كنا نتعمّد تنظيم الفعاليات في عطلة نهاية الأسبوع لتعزيز الحركة الاقتصادية”.

وتشدد على أن المهرجان يحمل بُعدًا يتجاوز الفن: “لم نقبل يوماً بنقله إلى مناطق أكثر أماناً، حتى في أوقات الحرب. نحن نُقيمه لأهل الجنوب، لأبناء صور، ولانتعاش المدينة. لمهرجان صور نكهته الخاصة، ونأمل أن يسمح الوضع بعودته في الصيف المقبل”.

وتستذكر بعض المحطات البارزة بقولها: “في العام 2003 نستضيف أوبرا عايدة القادمة من إيطاليا، وفي 2009 تُبهرنا فرقة ماي دريب من الصين، والتي تضم مكفوفين ومبتوري أطراف وغالبية الفرقة من ذوي الاحتياجات الخاصة. اما مهرجان صور فبدأت فعالياته بحفل زفاف جماعي لـ25 ثنائياً، حضّر له فنانون، ودعيَ أهلهم وأقاربهم للاحتفال بهم وأقيم حينها في مرفأ صور، كما تم تأمين كل ما يلزم من مطبخ كامل لكل ثنائي ودعم من الرعاة”.

وأكد نائب رئيس بلدية صور، علوان شرف الدين، أن “المهرجانات التي كانت تُقام في الملعب الروماني كانت تساهم بصورة كبيرة في تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية في المدينة. وغيابها حتماً يترك أثراً واضحاً، وهو نتيجة طبيعية لتداعيات الأزمة التي يشهدها لبنان منذ العام 2019 وحتى اليوم”، مشيراً إلى أن “الأوضاع الراهنة، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة، أثّرت بصورة مباشرة على نسبة الزوار، فالمدينة شهدت شبه انقطاع للحركة السياحية لمدة سنة ونصف السنة. ومع ذلك، بدأنا اليوم نستعيد شيئاً من عافيتنا، وتستعيد المدينة بعضاً من حيويتها”.

وأضاف شرف الدين: “في الفترة الأخيرة أقيمت مهرجانات صغيرة ومعارض للمنتجات الحرفية، نظّمتها البلدية بالتعاون مع مؤسسات محلية، وشهدت المدينة خلالها أنشطة موسيقية، فعاليات للأطفال، وأسواقاً للمنتجات اليدوية، ما ساهم في خلق أجواء ترفيهية وتنشيط الحركة الاقتصادية، وخصوصاً لأصحاب الحرف والأعمال الفردية”.

كما لفت إلى أن “عدداً من الاستراحات والمطاعم في صور يستعد لإحياء سهرات فنية خلال الأسابيع المقبلة، وسيستضيف فنانين من الصف الأول، في خطوة تُعيد بعض الحيوية للمشهد السياحي والفني في المدينة، وتفتح المجال أمام الزوار للاستمتاع بأمسيات صيفية تجمع بين الترفيه والدعم المحلي”، موضحاُ أن “هناك أيضاً فعاليات رياضية تنظّمها وزارة الشباب والرياضة، وخُصّصت مدينة صور لانطلاق أول مرحلة من هذه الأنشطة، التي تمتد لثلاثة أيام وتشمل كرة القدم الشاطئية، الكرة الطائرة، وسباقات الدراجات والكاياك، مع تجهيز مدرجات خاصة للجمهور”.

وكشف أن “صور ستشهد في نهاية هذا الشهر، وفي شهر آب، بعض المهرجانات الفنية التي نأمل أن تُعيد إليها أجواء الفرح. وعلى الرغم من أنها ليست بحجم مهرجانات السنوات الماضية، لكنها تُعدّ خطوة إيجابية”، معتبراً أن “المعارض الحالية التي ترافق المهرجانات تحمل بُعداً اقتصادياً مهماً، إذ تتيح لأبناء المنطقة، وحتى لأشخاص من خارج صور، عرض منتجاتهم الحرفية، ما يساهم في تحريك الدورة الاقتصادية، وخصوصاً لصغار الكَسَبة وأصحاب الأعمال الفردية”.

على الرغم من كل التحديات، تثبت صور أنها لا تموت. هي لا تنتظر قراراً سياسياً لتفرح، ولا مهرجاناً ضخماً لتثبت حضورها. ففي كل شارع فيها مهرجان صغير لتقول انها لا زالت حاضرة بطريقتها، والناس لا يزالون يؤمنون بأهمية الفرح والثقافة في قلبها. قد تكون المهرجانات اليوم أصغر، لكنها تزرع الأمل بعودة أكبر قريباً. فصور كانت دائماً مدينة الحياة… وستبقى.

شارك المقال