اعتقد “الثنائي الشيعي” أنه قادر على المناورة بأساليب بعيدة عن المنطق، وحاول العزف على الوتر الحساس من خلال استخدام كلمة “الميثاقية” للتشكيك في شرعية قرار مجلس الوزراء المتعلق بإقرار الأهداف الإحدى عشرة من ورقة الموفد الأميركي توماس باراك، والتي تتضمن إنهاء الوجود المسلح لحزب الله وغيره من الجماعات المسلحة. مع العلم أن هذه الورقة طُرحت خلال الجلسة بشكل مطوّل، وعند التصويت عليها، قرر الوزراء الشيعة المنتمون إلى “حزب الله” وحركة “أمل”، إلى جانب وزير التنمية الإدارية فادي مكي، الانسحاب من الجلسة، رافضين التصويت على هذا البند ومطالبين بتأجيله. وعندما رُفض طلبهم، انسحبوا واحداً تلو الآخر، وبدأوا التلويح بمسألة “الميثاقية” مجدداً. هذا الطرح رفضه وزير العدل عادل نصار، مؤكداً أن الميثاقية لم تُمسّ، وأن قرار مجلس الوزراء لم يكن يحتمل التأجيل.
وبالتالي، فإن القرار الذي اتُّخذ خلال الساعات الماضية شكّل تأكيداً واضحاً لكلام رئيس الجمهورية جوزاف عون صباح أمس، حين شدد على أن حصرية السلاح بيد الدولة ستتحقق رغم الصعوبات والعوائق. فالرئيس قال كلمته وكان مدركاً لما سيواجهه. وبهذا القرار الجريء الذي اتخذه كل من الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، كما وصفه الموفد الأميركي توماس باراك في أول تعليق له مهنئاً الدولة اللبنانية، يكون الرئيسان قد أعادا توجيه البوصلة نحو الدولة الحقيقية التي غُيّبت لسنوات طويلة بسبب سلاح غير شرعي فرض القمع والاستبداد على إرادة اللبنانيين، بمساعدة حلفاء أغرتهم الكراسي والرافعات الانتخابية.
وكتب باراك عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”: “نهنّئ الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، ومجلس الوزراء اللبناني على اتخاذ القرار التاريخي والجريء والصحيح هذا الأسبوع، للبدء في التنفيذ الكامل لاتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في تشرين الثاني 2024، وقرار مجلس الأمن رقم 1701، واتفاق الطائف”.
ورغم انسحاب وزراء “الثنائي” من الجلسة، فإن الإصرار الحكومي على المضي قدماً في بناء دولة فاعلة، مستقلة عن صراعات الآخرين، وممسكة حصرياً بقرار السلم والحرب، أكد للمجتمعين الداخلي والخارجي معاً أن بيان “حزب الله” الصادر خلال اليومين الماضيين “كأنه غير موجود” بتاتاً، خاصةً أن لحظة التغيير قد حانت، وتطبيق خطاب القسم والبيان الوزاري بات حتمياً.
وفيما شدد الرئيس نواف سلام على أن إقرار أهداف ورقة باراك هو خطوة أساسية لتثبيت السيادة وحصرية السلاح بيد الدولة، بدأت التساؤلات تحوم حول المرحلة المقبلة، خاصةً أن الجيش اللبناني أمامه مهلة زمنية محددة لتقديم خطته وعرضها على الحكومة لنيل الموافقة.
وفي المقابل، يبرز تخوّف من أن يلجأ “الثنائي” إلى تعطيل الجلسات الحكومية المقبلة عبر تعليق مشاركة وزرائه. إلا أن هذا الطرح يبدو مستبعداً، خصوصاً أن وزير العمل محمد حيدر، الذي انسحب من الجلسة، أكد أن موقفهم بشأن ميثاقية قرار الحكومة متروك للقانون، مشدداً على أنهم انسحبوا من الجلسة، لا من الحكومة، وسيواصلون حضورهم ومواقفهم في اجتماعات مجلس الوزراء. وهو ما فسّره كثيرون بأن “الثنائي” يحاول اليوم امتصاص الصدمة بهدوء، بعدما بات القرار خارج يده ومحوره، وبات مرتبطاً بالعهد الجديد، ما يجبر “حزب الله” على ابتلاع الموس، والبدء بالانخراط في كنف الدولة الحقيقية كأي حزب آخر، إن أراد ذلك، مع الحفاظ على هدوء شارعه، خلافاً لما يُروّج عن احتمالات تكرار سيناريو 7 أيار. فـ7 آب 2025 كتب تاريخاً جديداً للبنان، وطبّق شعار “لبنان أولاً” قولاً وفعلاً.
وعليه، من الواضح أن الحكومة لم تُبالِ بما قيل من قِبل “حزب الله” وفلول محور “الممانعة”، الذين حاولوا خلال الساعات الماضية الإيحاء بأن قرار الحكومة سيبقى حلماً، وسيُدفن معهم، لكن الرد جاء حاسماً بضربٍ من حديد، وضع حداً لتلك المهزلة.


