مع حلول الخريف، يعود الجدل حول الصيد البري، الهواية القديمة التي شكّلت جزءًا من التراث الشعبي، لكنها اليوم تصطدم بواقع قانوني وبيئي معقد. ففي مقابل من يراها متعة شخصية وقطاعًا تجاريًا موسميًا، ترفع الجهات الرسمية لواء حماية الطيور المهاجرة، معتبرة أن التوازن البيئي مصلحة عامة لا يمكن التفريط بها.
القانون الصادر عام 2004 ما زال المرجع الوحيد المنظّم للصيد، مانحًا وزير البيئة صلاحية تحديد المواسم والأنواع المسموح صيدها بناءً على توصيات المجلس الأعلى للصيد البري. غير أن غياب المراسيم التطبيقية وتعطيل عمل المجلس جعل قاعدة المنع شبه دائمة، تاركًا آلاف الصيادين والتجار بين مطرقة القانون وسندان الحاجة.
تبرّر السلطات موقفها بأن لبنان يشكل ممراً رئيسياً للطيور المهاجرة، كثير منها نادر أو مهدد بالانقراض، وهو ما يفرض التزامات دولية على البلاد في إطار اتفاقيات بيئية موقّعة. لذا، تلوّح الوزارات بمصادرة الأسلحة والشباك وتحرير محاضر ضبط بحق المخالفين.
في المقابل، يرى الصيادون أن منعهم المستمر يهدد هواية ورثوها أباً عن جدّ، كما يقطع مصدر رزق لبعضهم. بعضهم وجد نفسه يلجأ إلى حلول بديلة كتقليل التكاليف عبر تصنيع الخرطوش منزليًا، فيما يغامر آخرون بالصيد غير الشرعي رغم مخاطره. ولا تقف التداعيات عند هذا الحد، فالمحلات المتخصصة ببيع أسلحة الصيد وذخيرتها تواجه خطر الإقفال في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.
هكذا تتقاطع روايتان: رواية تعتبر حماية الطيور أولوية كونية تتجاوز حدود لبنان، وأخرى ترى أن الصيد المنظم وفق ضوابط علمية لا يتناقض مع حماية البيئة. بين الرؤيتين، يطرح خبراء بيئيون حلًا وسطًا يقوم على تحديد مواسم ومناطق صيد مدروسة، تضمن استمرار الهواية كموروث اجتماعي وتجنّب البلاد فوضى الصيد الجائر.
الصيد الجائر يهدد الطيور
يتحدث الإعلامي والناشط البيئي روجيه سعد، رئيس جمعية “ناشطون لحماية الحسون والطير البري”، عبر موقع “لبنان الكبير”، عن خلفيات قرار منع الصيد، والمخاطر المتصاعدة التي تهدد الطيور المقيمة والمهاجرة، مقدماً حلولاً عملية قد تضع حدّاً للفوضى البيئية.
عن قرار المنع، يوضح سعد أنّه جاء هذه المرة نتيجة تنسيق غير مسبوق بين وزارات الداخلية والبيئة والزراعة، وذلك بعد تفاقم ظاهرة الصيد العشوائي بشكل غير طبيعي في مختلف المناطق اللبنانية. ويقول:
“شهدنا خلال السنوات الأخيرة مجازر حقيقية بحق الطيور، حتى أنّ الحجل والشحرور والصفراية لم تُستثنَ. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، لا يتردد البعض في التباهي بما يصطادونه، ما يعكس حجم الكارثة التي دفعت الوزارات المعنية إلى رفع الصوت والاستجابة لمطالب الجمعيات البيئية.”
لكن سعد لا يرى أنّ المنع وحده يكفي، بل يدعو إلى تنظيم الصيد، مشيراً إلى أنّ غياب التنظيم يزيد من التحديات، إذ يتحوّل الصيد إلى “تحدٍّ” بين بعض الهواة، بينما يترقّب تجار الأسلحة والخرطوش الموسم لتصريف بضاعتهم. ويشدّد على أهمية إعداد دراسات علمية دقيقة للطيور المهاجرة والمقيمة، لتحديد الأنواع المسموح صيدها وفق أعداد مدروسة، خصوصاً تلك المهدّدة بالانقراض مثل النسور والصقور.
ويضيف: “الصيد ليس فقط هواية، بل يشكّل أيضاً مصدر انتعاش اقتصادي موسمي. فالمطاعم والمحلات ومحطات الوقود وحتى الشاليهات تستفيد من حركة الصيادين. لذلك، من الضروري الموازنة بين حماية الطبيعة واستمرارية النشاط الاقتصادي، عبر اعتماد لوائح واضحة للطرائد وأعداد محددة تمنع وقوع المجازر.”
ويحذّر سعد من ممارسات أشد خطراً من الصيد بالنار، أبرزها استخدام الشباك والدبق وآلات جذب الطيور، وهي وسائل ممنوعة قانوناً لكنها لا تزال تُستخدم على نطاق واسع. ويقول:
“الشباك والدبق لا تميّز بين نوع وآخر، فهي تفتك بكل الطيور المهاجرة والمقيمة. والأخطر أنّ الطيور المجمّعة تُباع في الأسواق على أنّها طيور صيد للأكل، فيما لا أحد يعرف مصدرها. وهناك أيضاً كميات مهرّبة تأتي من سوريا ودول أخرى، ما يحوّل المسألة إلى تجارة لحم أكثر من كونها هواية صيد.”
أما عن الحلول المطلوبة، فيرى سعد أنّها تبدأ بإنشاء قوة أمنية خاصة لحماية البيئة، مجهّزة بأشخاص ذوي خبرة في الحياة البرية. هذه القوة لا تقتصر مهامها على مكافحة الصيد الجائر فحسب، بل تشمل أيضاً مواجهة الاعتداءات البيئية الأخرى كقطع الأشجار والتعدي على المحميات. ويضيف:
“نحتاج أيضاً إلى إنشاء أماكن خاصة للصيد، أو على الأقل توفير بدائل مثل النوادي التي توفّر صحوناً طائرة للتدريب، بدل السماح بفوضى إطلاق النار في كل مكان. والأهم هو نشر الوعي وتطبيق القوانين بسرعة وحزم، وإعطاء الجمعيات دوراً مباشراً في المراقبة والتبليغ.”
ويختم سعد محذّراً من أنّ استمرار الصيد الجائر على هذا النحو قد يؤدي إلى كارثة حقيقية، قائلاً:
“إذا لم يُضبط الوضع، لن يبقى طير في السماء ولا حيوان على الأرض. نحن نواجه خطر القضاء على التنوع البيولوجي في لبنان بالكامل.”


