هل تنجح الدولة في كسر هيمنة مافيا المولدات الكهربائية؟

عمر عبدالباقي

 

تتصاعد فصول معركة اللبنانيين مع ما يُعرف بـ”مافيا المولدات”، تلك الشبكات التي تحوّلت من بديل اضطراري لانقطاع الكهرباء إلى سلطة موازية تفرض شروطها على الناس بلا حسيب ولا رقيب. فبين تسعيرات خيالية لا تراعي القرارات الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة، وتجاوزات بيئية تهدد صحة المواطنين بما تنفثه المولدات من سموم ومواد مسرطنة في الأجواء، يعيش اللبناني رهينة واقع كهربائي مأزوم لا يبدو أنه في طريقه إلى الحل القريب.

في مواجهة هذا المشهد، بدأت وزارة الاقتصاد بالتعاون مع أمن الدولة تكثيف حملاتها الميدانية، حيث ينفّذ المراقبون عمليات دهم تستهدف أصحاب المولدات غير الملتزمين بتركيب العدادات واتباع التسعيرة الرسمية. وللمرة الأولى منذ سبع سنوات، كشفت مصادر في الوزارة عن قرار بمصادرة المولدات المخالفة فورًا، مع البحث في رفع قيمة الغرامات، في محاولة لكسر حلقة الاستغلال المستمرة.

ومع ذلك، يصرّ معظم أصحاب المولدات على التهرّب من قرارات الدولة، معتبرين أن “التسعيرة الرسمية غير كافية”، ليدخل اللبنانيون من جديد في دوامة شد الحبال بين سلطة الدولة الغائبة ومصالح مافيوية لا تقف عند حد.

وفي هذا السياق، عقد وزير الاقتصاد عامر البساط مؤتمرًا صحافيًا شدّد خلاله على “ضرورة تنفيذ قرارات مجلس الوزراء الصادرة خلال الـ45 يومًا الماضية”، مشيرًا إلى أن “التعميم صدر ونُشر عبر وسائل الإعلام، ولا يُعقل أن يكون أحد غير مطّلع عليه”.

وأضاف البساط: “تم الكشف اليوم على 6 مولدات في مختلف مناطق بيروت، اختيرت نظرًا لحجمها وتكرار مخالفاتها، وتبيّن وجود مخالفات واضحة، وللمرة الأولى فُتح محضر عدلي بحق المخالفين وحُوّلت الملفات إلى النائب العام المالي”.

وأكد أن “الأساس هو الالتزام بتركيب الفلتر والعداد وإصدار الفاتورة، ومن لن يلتزم سيُحاسب”، لافتًا إلى أن “الحملة لا تهدف إلى التضييق على أصحاب المولدات، بل إلى خلق شراكة مسؤولة معهم، ولن تقتصر على منطقة دون أخرى”.

وفي موازاة ذلك، أصدرت المديرية العامة لأمن الدولة – قسم الإعلام والتوجيه والعلاقات العامة بيانًا أعلنت فيه مواصلة ضبط مخالفات المولدات الكهربائية في بيروت “صونًا لصحة المواطنين ومعيشتهم”. وأوضحت أن دورية من مديرية الاستعلام والعمليات الخاصة آزرت مندوبين من وزارة الاقتصاد – مصلحة حماية المستهلك خلال جولة على عدد من المولدات في العاصمة.

وأسفرت الجولة عن تسجيل ثمانية محاضر عدلية بحق المخالفين فيما يتعلق بالتسعيرة والعدادات. ففي الأشرفية، سُطّرت محاضر ضبط بحق كل من (ط. ح.) و(ش. م.) و(ش. ش.)، فيما شملت الجولة أيضًا صبرا والمصيطبة ومار الياس، حيث جرى تنظيم محاضر بحق (م. ح.) و(ر. ز.) و(ع. ه.).

وختم البيان موضحًا أن مكتب بيروت الأولى في مديرية بيروت الإقليمية يتابع التحقيق مع المخالفين بإشارة من القضاء المختص، على أن يُلزم هؤلاء بالتسعيرة الرسمية وتركيب العدادات خلال مهلة خمسة عشر يومًا.

أبو حيدر: الجولات ستستكمل على جميع الأراضي اللبنانية

وفي اتصال مع موقع “لبنان الكبير”، أكد المدير العام لوزارة الاقتصاد والتجارة الدكتور محمد أبو حيدر أنّه “للمرة الأولى، وكما أعلن وزير الاقتصاد والتجارة في مؤتمره الصحافي، تم فتح محضر عدلي بحق أصحاب المولدات”.

وقال أبو حيدر لـ”لبنان الكبير” إنّ “هناك تنسيقًا تامًا بين الوزارات المعنية، ولا سيما الجهاز القضائي والجهاز الأمني المتمثل بالنيابة العامة المالية، إضافة إلى جهاز أمن الدولة الذي أوجه له الشكر والامتنان”.

وأضاف أنّه “تم ضبط عدد من المولدات في بيروت لديها عدد كبير من المشتركين وتكررت مخالفاتها، ولم يعد المحضر العادي كافيًا لردعها. واليوم، وللمرة الأولى، تم التواصل مع النائب العام المالي الذي استدعى أصحاب المولدات وفتح بحقهم محاضر عدلية، والملف أصبح الآن لدى القضاء”.

وأشار إلى أنّ “الجولات لن تقتصر على بيروت، بل ستستكمل على جميع الأراضي اللبنانية”، لافتًا إلى أنّ “المطلوب هو تركيب العدادات، الالتزام بالتعرفة الرسمية، واعتماد الفلاتر”.

ودعا أبو حيدر عبر “لبنان الكبير” المواطنين إلى “تقديم الشكاوى عبر الرابط الخاص بوزارة الاقتصاد لمتابعتها بشكل دائم من قِبل مراقبي حماية المستهلك”، مؤكدًا أنّ “كلنا ثقة بالنائب العام المالي وبجهاز أمن الدولة الذي وضع يده على الملف، وسيُتابع هذه القضايا لإنصاف المواطنين”.

https://apps.apple.com/app/id6483808579

أبي حيدر: المولدات الخاصة لا تملك أي غطاء تشريعي

أكّدت المحامية والخبيرة القانونية في شؤون الطاقة، الدكتورة كريستينا أبي حيدر، في حديث لموقع “لبنان الكبير”، أن أصحاب المولدات الخاصة في لبنان لا يستندون إلى أي سند قانوني يشرّع وجودهم أو يمنحهم حق الاعتراض أمام القضاء على قرارات وزارة الاقتصاد بمصادرة المولدات المخالفة.

وقالت أبي حيدر: “من الناحية القانونية، المولدات الخاصة لا تملك أي غطاء تشريعي، فهي أمر واقع فرض نفسه نتيجة عجز مؤسسة كهرباء لبنان عن تأمين التيار الكهربائي بشكل مستدام. القانون الأساسي للكهرباء، الصادر عام 1964، أناط حصراً بمؤسسة كهرباء لبنان مهمة إنتاج ونقل وتوزيع وبيع الكهرباء، وبالتالي أي جهة أخرى تمارس هذه المهام تكون خارج الإطار القانوني”.

وأوضحت أن وزارة الاقتصاد ووزارة الطاقة، ومنذ نحو سبع سنوات، تحاولان ضبط القطاع عبر وضع تسعيرة رسمية ومتابعة الالتزام بها، إلا أن “المفارقة تكمن في محاولة إيجاد أطر قانونية لقطاع غير شرعي أساسًا”. وأضافت: “السؤال الأهم يبقى: هل يلتزم أصحاب المولدات بالتسعيرة الرسمية وبتركيب العدادات؟ بالتأكيد لا، إذ إن معظم الأحياء ما زالت تعتمد نظام الـ5 أمبير أو الـ10 أمبير المقطوع، بعيدًا عن العدادات التي فُرضت قانونًا”.

وعن مدى جدية الإجراءات الحكومية، شددت أبي حيدر على أن “المبادرات جيدة، لكن العبرة تبقى في التنفيذ. فما لم تُطبَّق القرارات بصرامة على الأرض، سيبقى كل شيء حبرًا على ورق”. وتابعت: “المولدات اليوم مصدر رئيسي للتلوث في لبنان، وتداعياتها الصحية والبيئية خطيرة جدًا. لا يكفي عقد المؤتمرات الصحافية أو إصدار التعاميم، المطلوب خطة عملية للتنفيذ والمتابعة”.

أما بالنسبة للغرامات التي يمكن فرضها على أصحاب المولدات المخالفين، أشارت أبي حيدر إلى أن “الغرامات الحالية متدنية وغير رادعة، ما يجعل أصحاب المولدات قادرين على دفعها بسهولة والاستمرار في المخالفات. المطلوب أن تكون الغرامات مواكبة للوضع الاقتصادي والقدرة الشرائية الفعلية، بحيث تشكّل ضغطًا حقيقيًا على أصحاب المولدات لفرض الالتزام”.

وحول تأثير مصادرة المولدات على المواطنين، قالت: “المشكلة أن المواطن في النهاية هو من يدفع الثمن. وجود المولدات أصلًا يكلّفه فاتورتين، بيئية وصحية ومالية، وإذا صودرت من دون وجود بديل من الدولة، سيقع المواطن في العتمة. المولدات تحوّلت إلى كارتيل يشبه في طبيعته احتكار مؤسسة كهرباء لبنان، ففي كل حي هناك مولد واحد يسيطر على الاشتراكات، ما يجعل المواطن رهينة له”.

وختمت أبي حيدر بالتشديد على أن “أي معالجة حقيقية لملف المولدات يجب أن تبدأ بخطة جدّية لإصلاح مؤسسة كهرباء لبنان وتأمين التيار 24/24، لأن أي إجراء آخر سيبقى جزئيًا ويدور في حلقة مفرغة، بينما المواطن يدفع وحده الثمن في نهاية المطاف”.

شارك المقال