تُطلّ أزمة النّفايات برأسها من جديد في طرابلس، عقب البيان الذي أصدرته شركة “لافاجيت” (المسؤولة عن جمع النّفايات في اتحاد بلديات الفيحاء: طرابلس، الميناء، البدّاوي والقلمون) منذ ساعات، وأعلنت فيه وقف أعمالها وبدء إضراب شامل ابتداءً من الاثنين المقبل، لمشكلات مادّية تحول دون حلّ هذا الملف “المعقّد”.
إنّ هذا الإعلان “المتكرّر” كلّ فترة والذي اعتاد الطرابلسيّون سماع “صدى” تهديداته دوريًا، يُنذر بأزمةٍ بيئية وشيكة تلوح في الأفق، وذلك في المدينة التي تُعاني أساسًا من تراكم النّفايات في كثيرٍ من مناطقها وأحيائها والتي سلّطت الضوء مرارًا على تقصير الشركة في أداء مهامها “المنقوصة” وفق المتابعين، حيث تشهد شوارع عدّة على تكدّس النّفايات والقاذورات بجوار الحاويات، ممّا يجذب الذباب وغيرها من الحشرات وينشر الروائح الكريهة التي تُنفّر السكّان.
وأوضحت الشركة في بيانها، أنّ إضرابها يأتي احتجاجًا على الأزمة المالية المستمرّة منذ انتهاء عقدها في شهر حزيران الماضي، وعدم اتخاذ الجهات المعنيّة لقرار يقضي بتمديد العقد معها “مؤقتًا” لحين إجراء مناقصة جديدة وتكليف شركة بديلة بأعمال الكنس وجمع النّفايات. واعتبرت الشركة، أنّها استمرّت خلال الأشهر الماضية في تنفيذ التزاماتها مع التجاهل والتأخير في حسم الملف، على الرّغم من غياب غطاء قانوني أو مالي يُعالج المسألة، مؤكّدة أنّها تحمّلت أعباء تشغيلية باهظة شملت تكلفة صيانة الآليات، تأمين مادّة المازوت، ودفع أجور العمّال.
وللحديث عن تفاصيل ملف النّفايات في طرابلس، يُميّز مدير مختبر علوم البيئة والمياه في الجامعة اللبنانية، الدّكتور جلال حلواني، بيْن شقّين مسؤوليْن عنه يختلفان إداريًا وقانونيًا. الأوّل يخصّ شركة “لافاجيت” المكلّفة بالجمع، الكنس والنّظافة في المدينة وتُتابعها البلديات، والشقّ الثاني يخصّ شركة “باتكو” التابعة لمالكي الشركة الأولى نفسها، وهي مسؤولة عن المطمر ويُتابعها مجلس الإنماء والإعمار.
وعن عقد “لافاجيت”، يُؤكّد حلواني أنّه يعود إلى عهد رئيس البلدية الأسبق الراحل العميد المتقاعد سمير الشعراني منذ العام 2000، وبعد انتهاء العقد في عهد الرّئيس الأسبق رشيد جمالي، تجدّد وانتهى مرّة أُخرى في عهد الرّئيس الأسبق نادر الغزال، ثمّ تجدّد وانتهى في عهد الرّئيس الأسبق أحمد قمر الدّين، وما زال يتجدّد كلّ فترة، لافتًا إلى أنّ المجلس البلديّ الحالي منذ انتخابه، وبحضور رئيس الاتحاد وائل زمرلي، أُطلقَ دفتر مناقصة جديد وانتهى الموعد النّهائي لتقديم الطلبات، في وقتٍ استمرّت فيه الشركة المعنيّة في عملها خلال هذه الفترة.
أمّا عقد “باتكو” فينتهي بعد ستة أشهر، ممّا يعني انتهاء العمل في المطمر التابع لها خلال المدّة نفسها، ولا يوجد بديل واضح مطروح حاليًا، وفقًا لحلواني الذي يصف الوضع المعقّد للملف، خصوصًا أنّ المكب الاوّل في طرابلس، يُؤهّل حاليًا وسيُترك لمدّة خمس سنوات لتحويله إلى حديقة، والمطمر الثاني الذي أُنشيء العام 2018، كان من المفترض أنْ ينتهي العمل فيه العام 2024، لكن الأزمة الاقتصادية أدّت إلى تراجع كمّية النّفايات، ما سمح بتمديد عمله لسنة إضافية.
ويقول حلواني: “حتّى الآن، لا ندرك التوجّهات المستقبلية، خصوصًا في ظلّ ارتفاع عدد السكان وتزايد حجم النّفايات، فالمطمر عمل بثلاث خلايا، كلّ خلّية تعمل لمدّة سنتيْن، وقد أُغلقت الخلّية الأولى والثانية، وستنتهي الثالثة بعد 6 أشهر، ونتوقّع بنسبة 99.99% أنّنا سنكون أمام حلّيْن، إمّا فتح خلّية رابعة، أو رفع (الصعود) إحدى الخلايا القائمة بإضافة 5 أمتار تقريبًا إليها، ذلك لأنّ أيّ حلّ آخر، كإنشاء مطمر جديد، يتطلّب من سنة ونصف إلى سنتيْن لتجهيز الأرض للفرز والمعالجة”.
وفي ظلّ تخوّف الكثير من الطرابلسيين من وصول عصارة النّفايات إلى البحر كما يتردّد، ينفي حلواني هذه المخاوف، مؤكّدًا أنّه منذ 6 أشهر تمّ تشغيل محطّة (صناعة سويسرية) لسحب العصارة في المطمر الجديد، ومن المتوقّع أنْ تسحب العصارة من المكب القديم الذي تُرك ليتحلّل”.
ضغط من “لافاجيت”؟
مصدرٌ مطّلع على الملف، يُؤكّد لـ “لبنان الكبير” أنّ “حفلة الزعل والحردان” التي تختلقها الشركة دوريًا، باتت معروفة، وتُعدّ وسيلة ضغط لتمديد العقد معها، في ظلّ استمرار محاولاتها لمنع إدخال أيّ بديل عنها في الاتحاد منذ عهد الشعراني إلى اليوم.
ويقول المصدر: “العقد واضح وينصّ على مراحل العمل، وعلى ضرورة المحافظة على نظافة المدينة عبر الكنس الدائم، شطف الشوارع، إزالة الملصقات، وتنظيف الحاويات (القليلة والبعيدة عن البيوت)، لكنّ الشركة لم تلتزم بالشروط، حتّى أنّه من المفترض أنْ يحضر مندوبو البلديات، وهم مراقبو النّفايات، للتوقيع على استلام الشوارع نظيفة، إلا أنّهم كانوا يُوقعّون ويتقاضون الأموال من الشركة، عدا عن الخوّات التي دُفعت للسوريين سابقًا، وبعض الأجهزة الأمنية، حوّلت الشركة إلى صندوق أسود موّل هذه الأجهزة”.
ويُضيف: “بعد ظهور رائحة الفساد، تبيّنت الرّغبة والضغوط الحقيقية لحلّ المشكلة في عهد غزال بيْن عاميّ 2011 و2012 للنّظر في دفتر الشروط، فاتفقت الشركة مع شركة “سوكلين” في المناقصة حينها، بهدف عدم استبدالها. وعند تقديم العروض، تقدّمت سوكلين وحيدة في الدّورة الأولى، فأُلغيت المناقصة حُكمًا لكونها العارضة الوحيدة، وفي الجولة الثانية، تقدّمت لافاجيت منفردة وفازت بالمناقصة، لأنّه يُسمح في الجولة الثانية، بتقديم شركة واحدة”.
وبعد أعوامٍ من الضغوط، اندلعت الثورة والأزمات الاقتصادية التي أجبرت الجهات المعنية على “تطنيش” “لافاجيت” منذ العام 2019 والسماح لها بالعمل، وذلك حسب معلومات المصدر الذي يُؤكّد أنّ الشركة أعلنت مرارًا عجزها عن تحمّل الأعباء الإضافية. لذلك، أوقفت الشركة دعم “الشبيحة” ومحافظ طرابلس والشمال رمزي نهرا على حدّ قوله، كما منعت التعيينات التي كانت تذهب لصالح أمنيين وسياسيين. وبناءً على هذه الخطوات، طالبها المعنيّون بالاستمرار في العمل “على قدّ الأموال” التي حاول النوّاب والحكومات تأمينها، ومنذ تلك الفترة، امتلأت المدينة بالنّفايات.
ويختم المصدر: “لدى حديث الجهات المعنيّة اليوم عن مناقصة جديدة، وصلتنا معلومات تُفيد بأنّ الشركة لجأت إلى حرق النفايات كوسيلة للضغط، لكنّنا لا نملك دليلًا قاطعًا، إلا أنّ المتابعين أجمعوا على أنّ الحرائق التي وقعت أخيرًا لم تكن بريئة، ومن واجب الاتحاد اليوم، إيجاد حلول تستبعد التمديد”.


