يشتكي أهالي طرابلس أخيرًا من استفحال ظاهرة التسوّل في شوارعهم وطرقاتهم المكتظة بالمشرّدين. ومن اللافت خلال الفترة الأخيرة، أنّ هذه الآفة باتت تتخذ أشكالًا عدّة في المدينة، بعضها يتّسم بالعنف، حيث يطلب المتسوّلون الأموال بالقوّة خصوصًا من سائقي السيارات عند المفارق الرئيسية في المدينة، وإنْ لم يحصلوا عليها، يُهدّدون بملاحقة السائقين أو يشتمونهم أمام المارّة بقصد الإحراج.
إنّ هذه الظاهرة المستمرّة منذ أعوام، تُحوّل المدينة إلى ما يُشبه “المزرعة” التي يعجّ فيها مشرّدون يتخذون من التسوّل مهنة وتجارة مربحة تعود بالنّفع عليهم وعلى مافيات تنتظرهم في نهاية اليوم لأخذ “الغلّة” منهم، وهي تشهد تطوّرات تُخلّ بالآداب العامّة والصورة اللائقة بالمجتمع الطرابلسيّ الذي نبذ هذه الآفة وطالب مرارًا عبر منصّاته المختلفة بضرورة الحدّ منها، خصوصًا أنّها توسّعت وامتدّت بنطاقها من المناطق العشوائية والشعبية إلى المناطق الأساسية في المدينة: طريق المعرض، ساحة النور، ساحة التل، شارع عزمي وغيرها من الشوارع في القبّة وأبي سمراء، حيث يكثر عددهم خصوصًا من الأطفال الذين “يلتصقون” بالمواطنين طوال الوقت ويلمسون ثيابهم، لإجبارهم على الدّفع، وما إنْ يمدّ “الزبون” يده على جيبه للتخفيف من “النّق” وإلحاحهم، حتّى يُحيط به عشرات الأطفال والنّساء لطلب المال، ممّا يُعرّضه للسرقة أو حتّى لدعاءٍ من إحدى السيّدات عليْه بالموت.
يتحدّث محمّد، وهو أحد المواطنين المعتادين على أداء صلاة الجمعة في مسجد الغندور- المعرض، عن صعوبة خروج المصلّين من المسجد بسبب “تكدّس” المتسوّلين خارجه. ويقول لـ “لبنان الكبير”: “لم يُقدّم المسؤولون أيّ حلّ لهذه الظاهرة، وعليهم فقط القيام سريعًا بجولةٍ في المعرض ليرصدوا أعداد النّساء والأطفال الغرباء عن المدينة (سواء كانوا لبنانيين أو غير لبنانيين)، ولمشاهدة السيارات التي تأتي يوميًا لتوصيلهم وتأخذ غلّتهم أو حصّتهم في نهاية اليوم، وهم غالبًا يعودون إلى جبل البدّاوي وعكّار وغيرهما، فهذه الحقيقة معروفة منذ زمن، وكلّ فترة تقوم البلدية بحملة ضدّهم، لكن الظاهرة مستمرّة، لأنّها لم تُعالج من جذورها ولم تُنقذ الأطفال من استغلال أهاليهم”.
أمّا آمنة التي كانت تقود سيارتها وتنتظر إشارة شرطيّ السير عند تقاطع عزمي، فقد تلقّت شتيمة مُهينة لأنّها لم تسمح لطفلٍ بمسح زجاج سيارتها بالقوّة، وتُعبّر عبر “لبنان الكبير” عن صدمتها من العبارات التي صدرت عن طفل لا يتجاوز عمره ثماني سنوات، وتُضيف: “ردّ عليه الدركيّ حينها، لكنّني ذهلت بوجود مثل هذه الفئات بيْننا والتي يُقال إنّ بعضها لا يملك أوراقًا ثبوتية”.
ويُؤكّد سكّان التلّ، وجود مئات المتسوّلين في المدينة خصوصًا في منطقتهم التي تُعدّ نقطة تجارية واستراتيجية مهمّة، ويقول أحدهم لـ “لبنان الكبير”: “إنْ حاولت شرطة البلدية توقيف الأطفال المشرّدين، قد تتحوّل هذه الخطوة إلى كارثة، لأنّهم يفرّون وقد تدهسهم أيّ سيارة خوفًا من إلقاء القبض عليهم”. ويصف آخر الوضع بـ “المهزلة”، مضيفًا: “يقترح علينا البعض إيداع الأطفال لدى جمعيات للاعتناء بهم، لكن هؤلاء الأطفال انتشروا في الطرقات مع عائلاتهم أيّ أنّهم ليسوا فقراء أو أيتامًا، ولا أنسى أنّ إحدى السيّدات ادّعت الفقر لأعوام، واكتُشف بعدها أنّها تملك فيلا في إحدى القرى الشمالية، وأنّ أحد المتسوّلين أوقف وكان بحوزته مبلغ يتجاوز الـ 900 دولار، وبالتالي، أصبحت هذه الآفة مسرحية معروفة بأركانها وتفاصيلها، لكن من المستفيد منها؟ ولماذا يُفرَج عن المتسوّلين بعد توقيفهم، وإنْ كانت لا توجد طريقة لترحيلهم أو استبعادهم أو سجنهم، فكيف ستتمّ محاسبتهم؟”.
ومنذ أيّام، نفّذت شرطة البلدية حملة ميدانية استهدفت هذه الظاهرة، وأوقفت عددًا من المتسوّلين واتخذت الإجراءات القانونية بحقّهم بالتنسيق مع الجهات المختصّة، مؤكّدة استمرارها في متابعة الظاهرة حفاظًا على النّظام العام وصورة المدينة الحضارية. وعلى الرّغم من ترحيب الطرابلسيين بهذه الخطوة، إلا أنّهم يروْن في الوقت عيْنه، أنّ أيّ تحرّك بلديّ لن يكون مجديًا لسببيْن، الأوّل، لأنّه غير مستمرّ، والثاني، لأنّه لا يُلاحق الرؤوس المدبّرة التي تُحرّك الأطفال والفتيات لممارسة هذه المهنة التي قد تُعرّضهم لتجاوزات أخلاقية.
وتُفيد مصادر من البلدية لـ “لبنان الكبير” بأنّ الأخيرة تُكافح هذه الظاهرة وتُجري حملات أمنية دورية للحدّ منها، معتبرة أنّ الأزمة الاقتصادية المستمرّة منذ العام 2019، إلى جانب تفاقم معدّلات الفقر والبطالة، أتاحت المجال أمام انتشار هذه الظاهرة التي تُرصد أمام المحلّات التجارية لا سيما مكاتب تحويل الأموال.
وتَقسم المصادر المتسوّلين إلى نوعيْن، الأوّل: المحتاجون فعلًا للمساعدة وهم من كبار السنّ على الأرجح، أمّا النّوع الثاني فيكمن بعصابة حفظها المواطنون جيّدًا، تستغلّ الأطفال والرضّع، وتقول: “نحن ننصح المواطنين بعدم مساعدتهم على الإطلاق كيّ لا نسهم في انتشارهم أكثر في المدينة التي تُواجه مشكلة كبيرة تتمثّل في تفاقم أعدادهم من جهة، وعجزها عن كبح الظاهرة في ظلّ غياب الحلول المرتبطة بترحيلهم أو تحديد أماكن توجّههم من جهةٍ ثانية”.


