تعاونٌ لبناني- سعودي يُحبط تهريب المخدّرات… وتحرّك قضائي داعم شمالًا

إسراء ديب

يُسجّل الشمال تطوّرًا لافتًا في جهود كشف المتوّرطين في تهريب المخدّرات إلى الدّول الخليجية وذلك نتيجة التعاون الملحوظ بيْن أجهزة المملكة العربية السعودية ولبنان، لا سيما خلال الأشهر الماضية. وقد اتضحت هذه الجهود بعد البيان الأخير الذي نشرته المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي قبل أيّام، حول إحباط وزارة الدّاخلية السعودية، ممثلة بالمديرية العامّة لمكافحة المخدّرات، محاولة تهريب حوالي 8 ملايين حبّة كبتاغون داخل أربع حاويات قادمة من مرفأ طرابلس، وتمّت مصادرتها في ميناء جدّة منذ أشهر، وكانت موضّبة داخل عبوات للطلاء، واستهدفت المرور عبر طريق التّرانزيت إلى دولة الكويت.

وتبدو هذه العملية “المركّبة أو المعقّدة” نتاج أشهر من التحقيقات والمتابعة “السرّية” التي تزامن إعلانها مع كشف وزير الدّاخلية أحمد الحجّار خلال شهر أيلول الماضي، عن ضبط مكتب مكافحة المخدّرات 125 كيلوغرامًا من الكوكايين، تمّ تهريبها إلى لبنان خلال السّنوات الأخيرة، عبر سفينة وصلت إلى ميناء طرابلس من البرازيل، مرورًا بعمّان، وكانت مخبّأة داخل 10 غالونات “مموّهة” ضمن 840 غالونًا تحتوي على زيوت وشحوم، وذلك بناءً على معلومات وردت من مكتب وزارة الدّاخلية السعودية.

وفق مصدر متابع لملف التهريب شمالًا، فإنّ العملية التي أُعلنت أخيرًا ترتبط بالعملية الأمنية التي نُفذت خلال شهر أيلول في بخعون- الضنّية والتي أسفرت بعد رصد ومتابعة من مكتب مكافحة المخدّرات في الشرطة القضائية التابع لقوى الأمن الدّاخليّ، عن ضبط شاحنة محمّلة بكمّيات ضخمة من المواد المخدّرة المخبّأة بطريقة مموّهة داخل علب طلاء (دهانات)، وتوقيف كلّ من “أ. الصمد” و “ب. شيخ”، بالإضافة إلى تورّط آخرين في هذه الشبكة التي تبيّن أنّها عصابة قامت ولأكثر من مرّة بتهريب هذه المواد خارج لبنان.

ويقول: “خلال الفترة التي ضُبطت فيها المخدّرات في جدّة، وقعت مداهمة في بخعون التي اتضح أنّها تعود لنفس الشحنة ولنفس المتوّرطين، وهنا، بتنا نتحدّث عن مافيا كشفها البيان الأمني في لبنان بمعلومات استخباراتية سعودية”.

ويُضيف: “بدأت التحقيقات التي كانت غامضة منذ أشهر ولم تُسرّب أيّة معطيات حول عملية الضبط التي جرت في الضنية ولم تُحدّد حتّى طبيعة المواد المخدّرة آنذاك، وتمّ تحديد المسؤول عن توضيب، شحن واستلام المخدّرات، وبكمينٍ محكم، وبمؤازرة من مكتب مكافحة المخدّرات الإقليمي – طرابلس، أُوقف المشتبه فيه وهو: ب. ش. (لبناني مواليد العام 1985)، كما حُدّدت هويّة شريكه ومكان إقامته في بلدة بخعون، وهو: – أ. ص. (أيّ الصمد وهو لبناني- مواليد العام 1973)، وتمّت مداهمة منزله ومستودعه وتوقيفه في بلدته، وخلال تفتيش المستودع، ضبط 80 شوالًا من حبوب الكبتاغون (بوزن 1405 كلغ أي ما يُقارب ثمانية ملايين حبّة كبتاغون)، و489 برميلًا من الدّهانات، كانت معدّة لتوضيب حبوب الكبتاغون بداخلها، إضافةً إلى ضبط أدوات التّوضيب والوزن”.

وعن مرفأ طرابلس، يرى المصدر أنّ الوضع فيه أصبح أهدأ بكثير من السابق، مؤكّدًا أنّ ضبط المخدّرات لا يقتصر على طرابلس فحسب، بل يشمل مرفأ بيروت أيضًا. كما أعلن أنّ أجهزة المسح (السكانر) ستصل إلى بيروت يوم الخميس المقبل، وإلى طرابلس يوم الجمعة، وسيتمّ تشغيلها بعد شهر واحد، “ما سيُساعد المرفأيْن، ويُشدّد الرقابة ويُحسّن العلاقات اللبنانية- السعودية، خصوصًا أنّ الأخيرة تمتلك تقنيات متطوّرة للغاية تُجهض أيّة محاولة لتهريب للممنوعات”.

إنّ التكتم حول تفاصيل تبادل المعلومات اللبناني- السعودي، امتدّ ليشمل المستوى القضائيّ اللبناني، حيث أصدر قاضي التحقيق الأوّل في الشمال، القاضي ناجي الدّحداح (بعد تحقيقات غير مُعلنة)، قراريْن ظنّييْن يتعلّقان بعمليات التهريب.

وفي تفاصيل وقائع قراره الأوّل، تَلَقَّى مكتب مكافحة المخدّرات المركزي، بتاريخ السادس من آب 2025، كتاب معلومات من ضابط الارتباط السعودي عبر سفارة المملكة في بيروت، يُفيد بوجود كمّية من المخدّرات في إحدى الحاويات بمرفأ طرابلس. ولدى مداهمة الحاوية، تبيّن أنّها تحتوي على 480 غالونًا من الدّهون النباتية، وقد ضُبط منها 10 غالونات كانت تحتوي على 126 كيلوغرامًا من مادّة الكوكايين المخدّرة المعدّة للتصدير إلى المملكة. وبنتيجة التحقيقات، كُشفت هوّية أصحاب البضاعة، وأجرى القاضي تحقيقاته وخلص إلى الظنّ بكلّ من “محمد. ر”، “مادلين. ز”، “أحمد. ك”، وغيرهم بجناية الاتجار بالمخدرات وتهريبها، وأحالهم إلى محكمة الجنايات في الشمال لمحاكمتهم.

أمّا قراره الثاني، فأصدره في قضية محاولة تهريب 1405 كيلوغرامات من حبوب الكبتاغون التي ضُبِطَت في بلدة بخعون، (تزامنًا مع ضبط كميّة مماثلة في ميناء جدّة)، وذلك بالتنسيق مع أجهزة الأمن في المملكة، وكانت هذه المادّة معدّة لنقلها إلى مرفأ طرابلس ومن ثمّ شحنها إلى مرفأ جدّة. واتهم الدّحداح المدّعى عليهم “أحمد. ص”، “باسم. ش”، مازن. ج”، “حسن. ج”، “أحمد. ج” و”سمير. خ”، بجناية الاتجار بالمخدّرات وترويجها وتأليف عصابة تنشط في تهريب المخدرات إلى لبنان والمحيط، واستيرادها وتصديرها، وأحالهم إلى محكمة الجنايات للمحاكمة.

ويُؤكّد مصدرٌ حقوقيّ لـ “لبنان الكبير” أنّ القرار الظنّي—وهو القرار الذي يطلب فيه القاضي محاكمة الأشخاص الواردة أسماؤهم لاقتناعه بارتكابهم الجرم في هذا الملف الجنائي—سيُحال إلى الهيئة الاتهامية التي ستتولّى دراسة مضمونه وإصدار قرارٍ اتهامي (غير مُلزِم). وبعد ذلك، يُحال الملف إلى محكمة الجنايات التي يعود إليها إصدار الحكم النهائيّ في القضية.

شارك المقال