ضجّت صفحات طرابلس الإخبارية بخبر وفاة الموقوف المواطن ناصر كامل رومية (أبو كامل، 61 عامًا) الذي سلّم نفسه إلى القوى الأمنية في 28 حزيران 2025 بعد مداهمةٍ شهدت اشتباكات مسلّحة وقعت حينها في شارع المئتين بطرابلس بيْن فرقة “SWAT” الخاصّة والتابعة للشرطة القضائية والمطلوب رومية، ما أسفر عن سقوط شهيد في صفوف قوى الأمن الدّاخلي وهو إلياس بهجات طوق (38 عامًا)، وإصابة ثلاثة عناصر بجروح.
إنّ الضجّة التي حدثت اليوم في المدينة بعد خبر الوفاة، لم تكن بسبب الحديث عن وفاته بطريقةٍ طبيعية، بل نتيجة إعلان بعض الصفحات أنّه تُوفي بعد تعرّضه لتعذيبٍ شديد أدّى إلى وفاته. وكانت أعلنت صفحة “أهالي السجناء في لبنان”، عن الوفاة، مؤكّدة أنّه سلّم نفسه وهو بصحةٍ جيّدة “قبل أنْ يبقى محتجزًا خلال الأشهر الماضية وسط معلومات عن تعرّضه للتعذيب”.
الصفحة أعربت عن صدمتها إزاء حالة الوفاة التي أثارت التساؤلات حول ظروفها، خصوصًا أنّها لم تتزامن مع نشر أيّ بيان أمنيّ أو تقرير من طبيبٍ شرعي يُوضح طبيعة الحادثة. كما طالبت الصفحة عبر بيان، بتحقيقٍ شفاف وعاجل مع نشر التقرير الطبّي لمحاسبة “أيّ جهة يثبت تورّطها في الإهمال أو التعذيب”.
في الواقع، أثار هذا البيان جدلًا واسعًا وريبة في المدينة، لا سيما بعد وفاة أكثر من سجين نتيجة الإهمال الطبّي أو التعذيب، وعلى الرّغم من أنّ الطرابلسيين لم يقفوا يومًا إلى جانب رومية، و”صفّقوا” لمحاسبته قضائيًا، خصوصًا بعد مقتل طوق، ابن بشرّي، الذي ترك طفليْن يتيميْن، إلا أنّ شكوكهم تدور حول ظروف الوفاة، لا حول رومية وحده والذي تبرّأت عائلته منه خلال شهر حزيران مباشرة بعد الحادثة، ولكنّها خلال تشييعه في منطقته، الميناء، ناشدت الدّولة كشف الحقيقة وطالبت بتحقيقٍ قضائيّ عاجل مع نشر التقرير الطبي، ومحاسبة المسؤولين عن أيّ إهمال.
حسب المعطيات الحقوقية، دخل رومية إلى المستشفى فور تسليمه نفسه، موضحة لـ “لبنان الكبير” أنّ “أبو كامل” سلّم نفسه وهو سليم، “لكنّ الضرب الذي تلقّاه من أحد العناصر، أدخله إلى مستشفى رفيق الحريري الحكوميّ حيث بقي حتّى وفاته”. كما تلفت المعطيات إلى أنّه “تعرّض لضربٍ مبرح بأداة حادّة”، مؤكّدة أنّه “لا يحقّ لأحد إعدامه وقتله دون محاكمته”.
حتّى الآن، لم تُسرّب معطيات أمنية ولم تُنشر تصريحات رسمية تنفي هذه الفرضية أو تُؤكّدها. لكنّ المحامي محمّد صبلوح يلفت إلى وجود علامات استفهام حول ظروف وفاة رومية، وحول كيفية حصول المداهمة بحدّ ذاتها، ويقول لـ “لبنان الكبير”: “يجب محاسبة الضابط الذي خطّط، أمر، نفذ وضحّى بالشهيد من القوى الأمنية عبر مداهمة نُفذت بطريقةٍ بطولية أدّت إلى جريمة، وكان بالإمكان إلقاء القبض عليه من منزله بطريقة عادية، وفي جميع الأحوال، كان يجب أنْ يُحاكم رومية قضائيًا، لا بتعرّضه للضرب وتركه في المستشفى، وبالقانون، فإنّه مهما كان نوع الجرم، فإنّ للمجرم حقوقًا كفلها القانون”.
في السياق نفسه، تحدّثت صفحة السُجناء نفسها عن سجينٍ طرابلسيّ آخر وهو بلال محمّد البقار الذي أعلن دخوله في إضرابٍ مفتوح بعد عشر سنوات من السجن، احتجاجًا على محاكمته في ملفٍ أمنيّ لم يرتكبه، ويرتبط بتفجير برج البراجنة ومحاولة تفجير في جبل محسن، وذلك وفقًا للصفحة التي أكّدت أنّ البقار، وعلى الرّغم من المعطيات التي تُبرّئه، فوجئ بإدانته والحُكم عليه بالمؤبّد في قضية لم يرتكبها.
ويُطالب أحد المقرّبين من البقار عبر “لبنان الكبير”، بإعادة النّظر في ملفه، ويقول: “بلال طالب من السجن بإعادة محاكمته بعد أنْ أمضى عشر سنوات شعر فيها بالظلم من ملف لم يرتكبه، فهو يعمل أساسًا في المجال الإنساني وكان متطوّعًا في الصليب الأحمر المدني، ونظرًا لمغالطات عدّة في الملف، حُكم عليه ظلمًا، وفي ظلّ غياب العدالة عن لبنان، نستغرب من الحكم الجائر الذي لم يلحق بميشال سماحة الذي حُكم عليه بأربع سنوات على الرّغم من ثقل ملفه المرتبط بنقل المتفجّرات الكارثية، وكذلك الحُكم بعشر سنوات فقط بحقّ أحمد الغريب المتهم بتفجيريّ التقوى والسلام، بينما تُرك رفعت علي عيد حرًا طليقًا وهو موجود في عكّار اليوم، بعد نقله مسبقًا بموافقة ومرافقة أمنية إلى سوريا وعاد إلى لبنان دون توقيف أو محاسبة، فأيّ عدالة هذه التي تترك فلول النّظام والظالمين يسرحون ويمرحون دون مساءلة؟”.
ويختم قائلًا: “لا نطلب الكثير، لكنّنا نطالب بإعادة النّظر في ملفاتنا عوضًا عن التغاضي عنها أو السماح لكلّ المجرمين بالإفلات من عقابهم، والأهم اليوم، هو أنّنا نخشى على صحّة بلال الذي لا نريد أن يُصاب بأيّ مكروه، لقد تعبنا، ولا أرى في هذه الإجراءات سوى رغبة في إشعال الفتنة في طرابلس من هذا المنفذ الذي يُضعفها ويفتح جراحها مرارًا وتكرارًا”.


