تعمّ الفوضى مدينة طرابلس على الرّغم من الحديث أخيرًا عن وجود متابعةٍ بلدية وأمنية لملفاتها، إلا أنّ الواقع يُؤكّد خلاف ذلك ويُشير فعليًا إلى وجود أزمة لا تُشبه المدينة، ولكنّها تُشبه تمامًا المتجاوزين الذين اتخذوا من عاصمة الشمال ملاذًا آمنًا لهم. وعلى الرّغم من الوعود المتكرّرة بتنظيم “الفلتان” في المدينة، تبقى أزمة السير الخانقة والمزمنة إحدى أبرز مشكلاتها وأكثرها تعقيدًا، حيث “يعلق” السائقون فيها بزحمة مرورية لا تُطاق خلال ساعات النّهار والمساء، ممّا يُحوّل أبسط “مشوار” فيها إلى كارثة أو كابوس.
ولا تقتصر الأزمة على الزحمة فحسب، بل يشتكي الطرابلسيّون أيضًا من تحوّل طرقاتهم العامّة إلى أماكن مخصّصة لركن السيارات، الدراجات النّارية وكذلك “التوك توك”، كما أصبحت أرصفتهم بمثابة “كراج” واسع يتحمّل أكثر من خطّ أو صف من المركبات في مساحة ضيّقة لا تتسع إلّا لسيّارة أو سيارتيْن، وإنْ حالف السائق الحظ ووجد “صفّة”، سيُصادف طوبًا، كرسيًا، دراجة نارية أو لافتة يُكتب عليْها: ممنوع الوقوف “تحت طائلة المسؤولية”، وتعود غالبًا لمالك أحد المحال التجارية أو لـ “شبيح” لا يحقّ له أساسًا التحكّم بطريقٍ عام.
ويرى الطرابلسيّون، أنّ “الشبيحة” الذين يتزايد عددهم في المدينة، ويمنعون السائقين من الركن أو يُجبرونهم على دفع مبالغ تفوق أُجرة أيّ موقف مخصّص للسيارات، ليسوْا العائق الوحيد الذي يُعرقل الحركة المرورية ويُعقّدها، فإلى جانبهم، هناك “الفاليه باركينج” الذين استولوا على الأرصفة المكتظة بالمركبات (ممّا يحول دون سير المشاة عليها)، وهم يعملون لصالح أصحاب المطاعم المعروفة في طرابلس والتي يستمرّ المعنيّون في “غضّ بصرهم” عن مخالفاتها، فيُزيلون مخالفة و”يُخلّدون” أُخرى، وذلك على الرّغم من اعتراض المواطنين أو ملاحظاتهم لهذا التمييز الفاضح.
ومن الصعب اختزال تفاصيل هذه الفوضى المتشعّبة في مقالٍ واحد، لكنّها باتت مفضوحة إلى حدّ كبير أمام سكّان المدينة وزوّارها. وقد كشفها مباشرة أحد الزوّار، القادم من بيروت لأوّل مرّة إلى طرابلس، قائلًا لـ “لبنان الكبير”: “جميلة طرابلس وغنيّة، لكنّها عشوائية، ممّا يُفسد الكثير من الأمور الإيجابية فيها، وذلك بسبب الفوضى المرورية خصوصًا عند ساحتيّ التلّ والنور، وانتشار البسطات بغياب شرطة البلدية”.
شهادة هذا الزائر ليْست الوحيدة، ويُؤكّدها أبناء المدينة الذين يتساءلون عن سبب غياب شرطة البلدية عن الصورة، حيث يجهل الطرابلسيّون عدد عناصرها، دورها، ومواقع انتشارها “إنْ وُجدت أساسًا”. وفي هذه الفترة، يتكرّر الحديث عن طلب البلدية تعزيز عدد شرطيي السير، والذين لا بدّ من نشرهم تحديدًا عن كلّ مفترق طرق أو ساحة رئيسة، وقد سبق لـ “لبنان الكبير” أنّ تناول خلال شهر تمّوز الماضي توجّه البلدية لطلب 100 شرطيّ بلديّ يندرجون ضمن إطار الشرطة الموسمية التي يُتعاقد معها لمدّة ستة أشهر، قابلة للتجديد حسب الرّغبة والحاجة، وتستهدف إدارة السير وضبط المخالفات بالتعاون مع القوى الأمنية، ولكن يُقال إلى الآن، إنّ هذه الاستراتيجية ستُنفّذ مع بداية العام الجديد، وإلى حين الوصول إلى هذه المدّة، ما زال الملف وفق المعنيين، يُراوح مكانه في ظلّ تفاقم حدّة الفوضى المرورية في طرابلس، وتزايد تسلّط المخالفين بلا رادع.
وبعد متابعة تعليقات الطرابلسيين الأخيرة، يُركّز أبناء المدينة على نقطتيْن مترابطتيْن ومتعلّقتيْن بالفوضى، الأولى، غياب الرّقابة وتطبيق القانون عن طرابلس، والثانية، تراجع أخلاق النّاس بوضوح، ممّا دفع أحد رجال الدّين إلى التأكيد عبر “لبنان الكبير” أنّ المؤمن حقًا، وتحديدًا المسلم، الذي يجب أنْ يسلم النّاس والمسلمون من لسانه ويده، مطالب بإماطة أذاه عن النّاس قولًا وفعلًا.
ويختم قائلًا: “لقد أصبحنا نعيش في عالمٍ غريب في طرابلس التي باتت القيادة فيها مرهقة، فإذا تجاوزت سيارة بطيئة، أو عقّبت على انتشار البسطات، ستتعرّض للشتيمة وستُتهم بقطع الأرزاق، وإنْ تحدّثنا عن تقصير الدّولة والمعنيين، قالوا عنّا ما ليس فينا واتهمونا بأنّنا مواطنون غير صالحين ولا يُعجبنا العجب، ولكن بماذا نردّ؟ نردّ بالحكمة والصبر وكظم الغيظ ومسامحة النّاس، مع مطالبتنا الدّولة بضرورة تسليط الضوء على المدينة، لأنّها كبيرة وتحتوي على ملفاتٍ كثيرة وضخمة تحتاج إلى معالجة ومتابعة”.


