اعتاد أهالي طرابلس على “وسواس” نقص المياه ولكن خلال فصل الصيف والحرّ الشديد، وعلى الرّغم من قسوة الحرّ حينها، لم يُحرم أبناء المدينة من نعمة المياه بقدر ما يُحرمون منها اليوم خلال فصل الشتاء وبعد مرور العاصفة الأخيرة.
وتُعاني أحياء طرابلسيّة عدّة من انقطاع المياه منذ أيّام. وطالت هذه المشكلة ساحة النّجمة، طلعة الرفاعية، التبانة، شارع المئتين، عزمي، طريق الميناء، الضم والفرز وصولًا إلى القلمون وغيرها من المناطق. ولكن هذه المرّة، تبدو الأزمة غير عابرة، والمفارقة أنّها لا تعود لانقطاع التيّار الكهربائيّ كما ظنّ الأهالي الغاضبون من حرمانهم من المياه من جهة، ومطالبتهم بدفع رسومها المرتفعة والتي تتجاوز المائتيّ دولار بحسب بعض المواطنين من جهة ثانية، إذْ تبدو هذه الأسباب قسرية وتُجبر المواطنين على انتظار الحلّ، لا سيّما أنّ التيار الكهربائي بدأ بالعودة تدريجيًا منذ أمس إلى بعض المناطق، ممّا يُشير إلى أنّ أزمة الكهرباء تتجه نحو الحلحلة، وفي المقابل، تتجه أزمة المياه نحو تعقيد “محتمل”.
هذا التعقيد، قد تُسهّله الإجراءات التي اتخذتها مؤسسة مياه لبنان الشماليّ، التي أعلمت المواطنين أمس بوجود عطل طارئ على خطّ جرّ نبع هاب الرئيسي، تسبّب بانخفاض المياه المغذية لمدينتيّ طرابلس والميناء إلى النّصف. وقد حذرت المؤسسة من الاستهلاك المفرط للمياه في هذه الفترة، مؤكدةً سعيها لمعالجة العطل بأسرع وقت. ويُوضح مصدر من المؤسسة لـ “لبنان الكبير” سبب الأزمة ومصدرها.
ويقول: “لدينا مصادر مائية عدّة تُغذي المدينة، منها نبع هاب وبئر أبو حلقة وغيرهما من الآبار، وتفصيلًا، فإنّ نبع هاب الذي يُغطي نصف إنتاج طرابلس، يقع في نفقٍ صخريّ تاريخيّ وطبيعي (مغارة) يمتدّ حتّى جسر وادي هاب، أيّ إلى الطريق بيْن أبي سمراء والكورة، ونحن نسحب المياه عبر نفقٍ باطونيّ إلى المحطّة لمعالجتها وتوزيعها”.
ويُضيف: “تعرّض النّفق الطبيعي لانهيارٍ مفاجئ وطبيعي بسبب شدّة ضغط المياه، وفي الحقيقية، ما زلنا أمام احتماليْن (حتّى اللحظة)، إمّا إنّه انهار فعلًا أو تعرّض لانسداد، ولم نُحدّد السبب بعد، وحاولنا منذ الأمس النزول إلى النّفق للكشف عن الأعطال، وتتطلّب هذه الخطوة النّزول 130 مترًا تحت الأرض عبر سلالم مجهزة للوصول إلى نفق المياه، ثمّ التقدّم لمسافة 4 أمتار إلى الدّاخل، وكنّا دخلنا هذا النّفق من قبل بالتأكيد، لكنّ هذه العاصفة حملت مفاجآت، منعتنا من الدّخول فور بدء العطل”.
ويُوضح كلامه قائلًا: “نزلنا أمس إلى النّفق، ولكن عندما وصلنا، وجدنا بركة مياه وشلالًا كبيرًا، فلم نتمكّن من متابعة الكشف، أمّا اليوم فقد استدعينا فريقًا متخصّصًا من خبراء المغاور يمتلك معدّات خاصة لاستكشاف ما بداخل النفق الصخريّ الذي نعجز عن إدخال أيّة آلات إليه خشية انهياره، إذْ يجب العمل فيه يدويًا فقط، وهذا يُمثّل مخاطرة كبيرة على الشبان الذين نتوجه إليهم بالشكر”.
ويختم المصدر كلامه مشدّدًا على عدم تقصير المؤسسة في عملها، قائلًا: “نقول للمواطنين، إنّ المؤسسة لم تُقصّر أبدًا في معالجة العطل، بل بادرت سريعًا لتحلّ الأزمة، وسنكون أمام احتمالات بعد خروج الشباب من النّفق، فإذا كانت المسألة سهلة، ستُحلّ، وإنْ كانت تحتاج إلى أيد عاملة إضافية أو إلى أدوات أُخرى، فلا بدّ من الانتظار، ولذلك لا يُمكننا تحديد مهلة زمنية للحلّ، خصوصًا في ظلّ غياب البديل حاليًا لتزويد المواطنين بالمياه”.


