ملامح خطة أميركية لغزة

عبير بشير

عكست كواليس اللقاء المغلق الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض مؤخراً تبايناً حاداً في الرؤى حول مستقبل قطاع غزة والمفاوضات مع إيران.

وأشارت المصادر إلى أن نتنياهو لم يحصل على “صورة الانتصار” التي كان ينشدها، إذ تجنب ترامب الظهور التلفزيوني المشترك معه. وبينما سعى نتنياهو لإقناع الإدارة الأميركية بإنهاء المسار الدبلوماسي مع طهران، جاء رد ترامب سريعاً وحاسماً عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكداً استمرار المفاوضات.

تزامن ذلك مع تكشف ملامح مسودة خطة أميركية جديدة تهدف إلى وضع جدول زمني لنزع سلاح حركة حماس في قطاع غزة. وتعتزم واشنطن عرض هذه المقترحات على حركة حماس خلال الأسابيع القليلة المقبلة، في محاولة لكسر الجمود المحيط بملف ما يُعرف بـ”اليوم التالي” للحرب.

ويقود الفريق المشرف على إعداد هذه الوثيقة شخصيات مقربة من البيت الأبيض، من بينهم صهر الرئيس جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف المبعوث الأميركي. وتأتي هذه التحركات بعد نحو شهر من الإعلان الأميركي عن بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بشكل أحادي الجانب، ومن دون مشاركة إسرائيل.

وتطرح الوثيقة الأميركية أربعة هياكل تنظيمية لإدارة قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية لضمان الاستقرار الأمني والاجتماعي، بحسب خطة طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة. وتشمل هذه الهياكل “مجلس السلام”، برئاسة ترامب، و”اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، وهي هيئة غير سياسية تتألف من 11 شخصية فلسطينية، إضافة إلى رئيسها علي شعث، وقد بدأت عملها منتصف الشهر الماضي من القاهرة، ولم تسمح لها تل أبيب بعد بدخول غزة، و”مجلس غزة التنفيذي”، بالإضافة إلى “قوة الاستقرار الدولية” التي ستتولى مهام ميدانية محددة.

وترتكز مسودة الخطة المسربة على نزع سلاح حماس بشكل متدرج، وتسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل كأولوية قصوى، إضافة إلى خرائط الأنفاق. وفي المقابل، تقترح المسودة السماح للفصائل بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة بشكل مبدئي. كما تشمل الخطة منح عفو لأعضاء حماس الذين يتخلون عن أسلحتهم، وانضمامهم المحتمل إلى قوات أمنية جديدة تحت إشراف دولي، مع سحب تدريجي للقوات الإسرائيلية مقابل التقدم في نزع السلاح، على أن يشرف مراقبون دوليون مستقلون على العملية.

وتعاني المسودة من غموض فني يتعلق بتصنيف أنواع الأسلحة المشمولة بقرار النزع، إذ لم توضح ما إذا كانت الصواريخ وحدها هي المستهدفة أم تشمل قذائف الهاون أيضاً. كما لم تحدد الوثيقة طبيعة “الأسلحة الخفيفة” المسموح بها في بيئة اجتماعية وقبلية تعتمد تاريخياً على اقتناء السلاح.

وعلى الرغم من إعلان حركة حماس استعدادها لتسليم إدارة القطاع لجهة وطنية، فإنها تشدد على أن سلاحها هو الضمانة الوحيدة لحماية الشعب الفلسطيني، معتبرة أن التنازل عنه أمر غير قابل للبحث في المفاوضات السياسية. وهذا يضع الجميع في مأزق ويقرب الأطراف من حقل ألغام، إذ جرى الاتفاق على تسليم السلاح وفق خطة الرئيس ترامب لوقف الحرب، التي شاركت في صياغتها دول إسلامية توصف بأنها صديقة للحركة.

من جانبه، صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه أمام الكنيست، مؤكداً أن المرحلة الثانية تهدف إلى نزع سلاح حركة حماس كلياً، وليس إلى إعادة الإعمار، مهدداً بحسم هذا الملف “بالطريقة السهلة أو الصعبة”، وفق تعبيره.

ويعتقد كبار الضباط في تل أبيب أن العمليات العسكرية المتقطعة ضد قطاع غزة وعناصر من حركة حماس قد تصبح القاعدة في السنوات المقبلة، في محاولة لتقويض قدرات حماس على إعادة البناء. وتشير تقييمات إلى أن الحركة لن تتخلى طواعية عن سلاحها أو تسمح بتدمير شبكة أنفاقها.

وكتب المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس”، عاموس هارئيل، أن سياسة حكومة إسرائيل في قطاع غزة تعتمد حالياً على رهان مفاده أن ينهار خلال الأشهر القريبة المقبلة المسار الذي تقوده الولايات المتحدة لإرساء واقع أمني وسياسي جديد في القطاع. وعندما يحدث ذلك، قد يمنح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضوء الأخضر لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للقيام بعملية واسعة ضد قطاع غزة، وهذه المرة من دون ضوابط تتعلق باحتمال وجود أسرى إسرائيليين في غزة، مثلما كان الحال في فترات سابقة قبل استعادة إسرائيل جميع أسراها من القطاع.

ولا يخفى على المراقبين التنافس الحاد بين مسار التهدئة في غزة الذي تدعمه واشنطن ومسار التصعيد الذي يتبناه نتنياهو.

وبحسب مصادر إعلامية، تتهيأ آلاف الجنود الإندونيسيين لدخول قطاع غزة في إطار “قوة الاستقرار الدولية” في القطاع، ومن المتوقع أن تتمركز القوات الإندونيسية في المنطقة الواقعة جنوب قطاع غزة بين رفح وخان يونس، وستكون أول قوة أجنبية من المتوقع وصولها إلى غزة. وكان الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، الذي سيصل إلى واشنطن في 19 فبراير للمشاركة في اجتماع مجلس السلام الذي يرأسه الرئيس دونالد ترامب، قد صرّح سابقاً بأن بلاده مستعدة لإرسال 20 ألف جندي إلى غزة.

وحذر القيادي في حماس أسامة حمدان من أن أي قوة دولية قد تصل إلى القطاع يجب أن تنحصر مهمتها في التمركز على الحدود فقط، بهدف مراقبة وقف إطلاق النار، من دون أي تدخل في الشؤون الإدارية الداخلية. وكشف حمدان أن الحركة أبلغت جاكرتا بضرورة التزام هذه القوات بالحياد التام على الحدود، محذراً من أن تتحول إلى بديل عن الاحتلال الإسرائيلي.

غير أن مصير الفلسطينيين في قطاع غزة لم يعد مستنداً إلى أي جهة فلسطينية. فالسلطة الفلسطينية، التي طمحت إلى العودة إلى القطاع من خلال “البوابة السياسية”، تفقد في الوقت ذاته القدرة على السيطرة على أراضي الضفة الغربية. أما في غزة نفسها، فلا يسأل الناس من سيحكم ومن سيقرر، بل يبحثون عن حلول لأبسط الاحتياجات: الغذاء والدواء والمأوى. لقد اختُزل الحلم الوطني إلى مجرد صراع يومي على البقاء.

شارك المقال