يستعدّ الجنوب لاستقبال شهر رمضان على وقع صوت المدافع، وهنا ليس المقصود المدفع الرمضاني، إنما أصوات القذائف المدفعية التي لا يمرّ يومٌ من دونها، ناهيك عن أصوات المسيّرات والطيران الحربي والغارات والاغتيالات التي تكاد لا تفارق يوميات الجنوبيين.
في الشقّ الاجتماعي المرتبط أيضاً بنتائج الحرب، سيستقبل الجنوبيون رمضان هذا العام في مكان إقامتهم المؤقت الذي فرضه عليهم الواقع الأمني، إذ لا تزال فئة كبيرة منهم تنتظر إعادة الإعمار لتعود وتستقر في محلّ إقامتها الأساسي.
كل هذه العوامل تؤكد أن الظروف الرمضانية لن تكون سهلة، مع العلم أن الجنوب، باستثناء المناطق الأمامية، شبه استعاد عافيته، ويشهد حركة اجتماعية – اقتصادية نشطة تتفاوت من منطقة إلى أخرى وفقاً للاستهدافات والغارات.
عادات وتقاليد بدأت تختفي أو تتقلّص في شهر رمضان، كالزينة والأصناف على الموائد، ليس بسبب الحرب، إنما منذ بداية الأزمة الاقتصادية في لبنان، وجاءت الحرب لتكون عبئاً إضافياً عليها. فبعد الحرب وشبه استعادة الحياة في الجنوب، هل ستتغلّب الزينة والأجواء الرمضانية على مشهد الدمار؟
في مدينة صور، “لا مظاهر لاستقبال الشهر الفضيل حتى الآن، فالأجواء لا تزال غير مريحة، وبالتالي لا زينة من قبل البلدية، إنما في الليالي العشر الأخيرة من الشهر ستنظّم البلدية “ليالي صور الرمضانية” في ساحة القسم، التي تحوي خيماً ومعارض متنوعة”، وفقاً لنائب رئيس بلدية صور علوان شرف الدين.
أما في النبطية، فنُصِب المدفع الرمضاني عند المدخل الرئيسي للمدينة، وستُضاء الشوارع في اليوم الأول من شهر رمضان. وفي هذا الإطار، يقول أحد تجّار النبطية، موسى شميساني، إن: “التحضيرات انطلقت ككلّ سنة، حيث ستكون الانطلاقة من “التوتانغو” عبر إفطار يُقام في المطعم ويُدعى إليه الوزراء والنواب والفعاليات الرسمية والسياسية في اليوم الأول، على أن تُضاء الزينة قبل ذلك، لكن الإفطار يشكّل محطة الانطلاق الأساسية”.
ويضيف: “سيكون هناك، كما في كل عام، مسرحية للأطفال يُتوقّع أن تجمع ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف شخص، إلى جانب فقرات فنية وعدد من الفعاليات المتنوّعة، منها الحكواتي والقطار كما في السنة الماضية، برعاية أحد نواب المنطقة”.
ويشير إلى أن: “العمل جارٍ على إنجاز هذه النشاطات قبل حلول رمضان قدر المستطاع، رغم الظروف التي تمر بها منطقة النبطية، فالناس أُرهِقوا من القصف وأجواء الحرب وهم بحاجة إلى الفرح”.
ويؤكد: “تولّينا تركيب الزينة والمنصّة وتجهيز كل شيء في السوق الرئيسي عند المدخل الأساسي للنبطية، بهدف جذب الزوار ليس فقط للتسوّق إنما أيضاً ليتسلّوا بالأنشطة المتنوعة”، لافتاً إلى أن: “البلدية تقف هذا العام إلى جانبنا معنوياً ومادياً، إضافة إلى غرفة التجارة والصناعة، ومجلس الجنوب، وجمعية التجار”.
ويوضح شميساني أن: “ما يُقام في النبطية ليس قرية رمضانية مغلقة، بل فعاليات في السوق، إذ لا يمكن إقفال المدينة بالكامل بسبب الكلفة المرتفعة والإجراءات اللوجستية والأمنية، خلافاً لما جرى في كفر رمان حيث افتُتحت هذا العام قرية رمضانية للمرة الأولى نظراً لتوافر مساحة يمكن إقفالها وتنظيمها. أما في النبطية، فيمكن تنظيم فعاليات في أيام مختلفة وليس على مدار الشهر، لأن الأعداد قد تصل إلى خمسة آلاف شخص، ما يتطلّب ترتيبات خاصة”.
وفي ما يتعلّق بالمبادرات الاجتماعية، يلفت شميساني إلى أن: “الحسينية في النبطية تنظّم مساعدات عدّة، حيث تُوزَّع مواد غذائية يومياً بتمويل من “الأيادي البيضاء”، كما أُقيم سوق للخضار واللحوم، ما يتيح للناس الشراء وفق قدرتهم خلال شهر رمضان، بحيث يدفع كل شخص المبلغ الذي يستطيع تحمّله”.
مما لا شك فيه أن شهر رمضان هذا العام مختلف عن سابقيه، ومهما زيّنت الشوارع أو طغت أجواء الفرح، تبقى غصّة الدمار والحياة الجديدة التي فُرضت على الجنوبيين عصيّة على الانتزاع، إلى أن تُعاد الحياة إلى طبيعتها.


