لم تمنع الحرب أبناء طرابلس من الاحتفاء بشهر رمضان المبارك حتّى آخر لحظة متاحة، فعلى الرّغم من خوفهم من الاعتداءات الإسرائيلية وتداعياتها عليهم أو على اللاجئين إليْهم، إلا أنّهم يسعون قدر المستطاع لاستغلال النّفحات الروحانية التي يزخر بها هذا الشهر الذي تُقدّره المدينة لا سيّما في خواتيمه، وما زالت تتمسّك بطقوسه الدّينية منها والاجتماعية التي تُخفّف، ربما، من الضغوط التي يعيشونها اليوم تحت أصوات الطائرات الحربية ووطأة النّزوح القسريّ.
يُمكن القول، إنّ اتّباع هذه الطقوس، كان عرضة لانتقادات عديدة، خصوصًا بعد نقل منصّات إعلامية منذ ساعات، أجواء المدينة من الأسواق الدّاخلية ليلًا، وآخرها من السوق العريض، حيث أُقيم عرض للمدائح النبوية لإضفاء أجواء من الفرح على الزائرين والمتسوّقين، إلا أنّ البعض انتقد هذا الاحتفال، واعتبره إمّا هروبًا من الواقع اللبناني البائس أخيرًا، أو عدم اكتراث بالقول: “مين إله نفس؟”، وفي المقابل، رأى الكثير من الأهالي أنّ طرابلس معنيّة بأجواء رمضان الذي يمضي سريعًا، وتقول إحدى المواطنات لـ “لبنان الكبير”: “لاحقين على الحرب، خُلقنا معها في طرابلس وحدها وهي تُرافقنا اليوم بحلّة جديدة أيّ بحربٍ شاملة”.
*الأسواق*
وعن الأسواق (التي تفتح أبوابها مساءً في العشر الأواخر من رمضان)، فهي مضاءة بالكامل، من “بابها إلى محرابها” كما يُقال للزبائن الذين تجوّلوا فيها إمّا لمُعاينة البضائع (مثل المعمول، المكسّرات والثياب)، أو لشرائها، مع العلم أنّ الكثير منهم اشتكى من ارتفاع الأسعار المعتاد والمتعمّد من قبل التجار هذا الموسم. ولتعزيز الاستقرار، نُفذّت ليل أمس دوريات تابعة لشعبة المعلومات داخل الأسواق، لضمان الأمن وتنظيم حركة المواطنين، في وقتٍ يُشير فيه بعض المتسوّقين لـ “لبنان الكبير” إلى أنّ الوضع مُخيف، خصوصًا أنّ صوت الطائرات أمس، استمرّ من الساعة العاشرة مساءً حتّى الثانية فجرًا، وعلى الرّغم من الخوف من أيّ ضربة غير مستبعدة، لا سيّما بعد ضربة مخيّم البدّاوي الأخيرة، تستمرّ الحركة في الأسواق، وإنْ كانت “مقبولة” حسب بعض البائعين وغير “مبحبحة” أو مزدهرة كالسابق.
*الطقوس مستمرّة*
وفي يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان، والذي يُوافق الغد، يفتح مسجد المنصوري الكبير في حيّ النوري، أبوابه كالمعتاد، أمام المصلّين والمؤمنين (رجالًا ونساءً) لزيارة الأثر النبويّ الشريف، وذلك بعد صلاتيّ الفجر والعصر.
وقد أصبحت هذه الزيارة السنوية “مزارًا” مُعتمدًا في المدينة منذ 133 عامًا، وذلك كما يقول المؤرّخون في طرابلس، حيث يُصرّ المؤمنون على رؤية الشعرة النبوية الشريفة (شعرة من لحيته الشريفة، والتي تلقّتها طرابلس كهدية من السلطان العثمانيّ عبد الحميد الثاني)، وهي محفوظة وفقًا للمؤرّخين، داخل أنبوب زجاجيّ، معلّقة ومثبتة بالشمع الأحمر المغلّف بالعسل والعنبر، مُغلقة بهلال ذهبي، وكُتب عليه أنّها “شعرة من لحية الرسول (صلّى الله عليه وسلّم)، كانت محفوظة في جناح الأمانات المقدّسة في قصر طوب كابي في إسطنبول”.
إنّ هذه العادة التي تتميّز بها طرابلس عن سائر مدن الشام، تُعدّ رمزًا أصيلًا في المدينة حيث يحرص الطرابلسيّون على حضور فعالياتها سنويًا بحضور شخصيات دينية، سياسية، اجتماعية، إعلامية وشعبية.
ويشهد إقبال المواطنين على “المسحّراتي” (الذي يقرع طبوله بعيدًا عن طبول الحرب ويحظى باستحسان دائم)، إقبالًا مُماثلًا لما تحظى به فرق “الوداع” التي تُدخل البهجة على الكثير من الأهالي بعد جولتها على المنازل والمباني. وتُعبّر مواطنة من منطقة القبّة لـ “لبنان الكبير” عن فرحتها بهذه العادة السنوية، قائلة: “الشقق كلّها في مبانينا تفتح أبوابها لهذه الفرق وتدفع لها صدقة نتمنّى أنْ تكون مقبولة، وذلك على الرّغم من أنّها قد تأتي أكثر من مرّة، وقد تكون غير مرخصّة أو غير منظّمة أحيانًا، ولكنّنا نسعد بها، ويسعد بها أطفالنا بصورةٍ خاصّة أيضًا، لأنّها تُبشّرنا بقرب حلول عيد الفطر”.
وبناء على آراء بعض الطرابلسيين، يرى الكثير منهم أنّ استمرار هذه العادات الموروثة يُمثّل متنفسًا لهم، وفي ظلّ تمنّيهم أنْ تتوقّف الحرب “اليوم قبل الغدّ”، فإنّهم يرفضون التخلّي عن أيّة فعالية تُمكّنهم من إدخال الفرحة في نفوسهم، خصوصًا خلال شهر رمضان الذي يحظى بمكانة أو بقدسية خاصّة في المدينة التي شدّدت قبل حلوله، على ضرورة خلوّها من أيّ اعتداءات أو خلافات شخصية كانت تشتدّ خلاله.


