لا يرحم تجّار طرابلس أبناء مدينتهم في كلّ الظروف والأحوال التي تتغيّر وتتقلّب بينما تبقى الأجور ثابتة لا تُواكب المتغيّرات التي يشتكي من تداعياتها الأهالي اليوم عبر “لبنان الكبير”، إذْ أضحى ارتفاع الأسعار في ظلّ الأزمات المعيشية الحاليّة، غير محتمل نظرًا لعجز المواطنين عن تحمّل هذه الزيادات التي يتعمّد التجّار فرضها بحجّة تداعيات الحرب وإغلاق مضيق هرمز الذي يُعيق النّقل البحري ويزيد الأعباء على أصحاب العمل أو المصالح وهي تنعكس سلبيًا على المواطنين في مدينة تُعاني عجزًا مستمرًا في زمن الحرب أو السلم.
إنّ هذا الواقع المأساوي المفروض اليوم على مدينةٍ يُفترض أنّها سُمّيت “أمّ الفقير”، يدفع بها نحو الفراغ حرفيًا، حيث تشهد طرقاتها منذ أسبوع هدوءًا غير معتاد أو مألوف، إذْ تغيب عنها زحمة السير المعهودة والحركة النّشطة في أسواقها وشوارعها، باستثناء أوقات انصراف المدارس، ويرى الكثير من المواطنين أنّ هذا “الركود” ما هو إلّا نتيجة للضائقة المعيشية التي سحبت الحركة والبركة من المدينة.
ومن ساحة الكورة في طرابلس، يُؤكّد أبو أحمد (65 عامًا)، أنّه اضطّر لتوفير مؤونة منزله قبل عودة ولديْه من السفر، لكنّه صُدم بأسعار ترتفع دوريًا بحجّة: تداعيات الحرب.
ويصف الرّجل الستينيّ الوضع لـ “لبنان الكبير” قائلًا: “لا نستغرب الفراغ الذي تعيشه المدينة اليوم، ونختصره بالمثل القائل العين بصيرة واليدّ قصيرة. أعمل هنا وأتابع أحوال النّاس، فهم يعيشون ضنكًا غريبًا لم نعهده من قبل، وكنت أراقب الأسعار وأشتري على قدر حاجتي، لكن حين اضطّررت لشراء كمّيات أكبر، أدركت استحالة الاستمرار على هذا المنوال”.
ويُضيف: “الأسعار ترتفع دوريًا بنسب تتراوح بيْن 20 إلى 30 بالمائة، وعلى سبيل المثال، حين اشتريت عبوة الزيت النّباتي سعة 5 ليترات التي كان سعرها 620 ألفًا تقريبًا، فوجئت بأنّ سعرها قفز إلى ما بيْن 875 إلى 900 ألف. وفي سوق الألبان والأجبان التي تتفاوت أسعارها بحسب الجودة، أصبح سعر الجبن 600 ألف، واللبنة 400 ألف، حتّى القهوة طالتها موجة الغلاء، إذْ ارتفع سعر الكيلو من مليون و250 ألفًا، إلى مليون و500 ألف. أمّا اللحوم، فقد وصل سعر كيلو لحم البقر إلى مليون و400 ألف بعد أنْ كان يتراوح بيْن 800 و900 ألف، والأمر نفسه ينسحب على لحم الغنم الذي بلغ مليون و900 ألف”.
ويختم قائلًا: “لا تقتصر المعاناة على المواد الغذائية فحسب، بل امتدّت لتشمل أجور النّقل التي ارتفعت من 50 إلى 150 ألفًا، ونحن لا نلوم سائقي الأجرة، بل نلوم دولتنا لانّ رواتبنا، ونحن الذين نعمل في مهن حرّة غير ثابتة أو عاطلين عن العمل، نعجز عن مجاراة كلّ هذه الزيادات”.
في المقابل، يعزو أحد تجّار طرابلس، سبب ارتفاع الأسعار إلى زيادة تكاليف النّقل، ويقول لـ “لبنان الكبير”: “لا يقتصر عبء التكاليف على النّقل البحري فحسب، بل يمتدّ إلى النّقل البريّ الذي رفع تكلفة الحمولة من 100 إلى 250 دولارًا، وكلّ الأسعار التي ترتفع، ليْست نابعة من طمعنا أو جشعنا، أو بسبب تداعيات الحرب فقط، وهي تعود أيضًا إلى الضرائب التي تفرضها الدّولة”.


