​لا حياة لكلبٍ بدون “فيتامين وا”

الراجح

بعد أن قررتُ الاعتزال المؤقت للكتابة في السياسة، بدأتُ ألاحظ قضايا يومية تشغل الرأي العام أكثر من قضية إغلاق مضيق “هرمز”. في لندن، قد تقول لك سيدة أنيقة بتحبب: “أحبك كأنك كلبي”. وإذا تجرأ أحدنا “لغويّاً” واستبدل حرف الكاف بـ “القاف”، قد يرى المسألة بسيطة، فالقضية مجرد “حرف” —لضرورة الترجمة العربية— لكن الحقيقة أن القضية برمتها متوقفة على حيوانٍ مُحتقر في بلادنا ودول “العالم الثالث” اسمه: الكلب.

الكلب في بلادنا هو عنوانٌ للإهانة؛ فإذا خاطبتَ أحدهم بعبارة “ابن الكلب” رفع ضدك دعوى قضائية (كان هذا في أيام زمان)، أما في أيامنا هذه، فقد اقتنع البعض فعليّاً بأنه “ابن كلب”، ولم نعد نرى هذه المخاطبة تندرج تحت عناوين القدح والذم وأشباههما.

في لندن، الكلب “سلطان زمانه وعصره”؛ مكانه محفوظ في المقهى والمطعم، وإلى جانب سائق التاكسي أحياناً، وبالتأكيد في صدارة البيوت. أكله “خصوصي” (لأن معدته حساسة لا تهضم أي طعام)، وتراه نجماً على شاشات التلفاز وفي السينما، والأهم في الإعلانات التجارية.

آخر إعلان “كلبي” شاهدته على شاشة التلفزيون (والأصح التلفاز) في لندن: مائدة غير مستديرة عليها أشهى المأكولات، وعلى حافتها زجاجة “مشروب” من ماركة فاخرة، “يشمشمها” الكلب، يفتحها، “يكرعها”، ثم يبدأ الإعلان: “الكلب شرب.. فعليك تقليده كل يوم!”.

عظيم.. يبدو أن الحق كان مع كُتّابنا الكبار (محمد الماغوط، إبراهيم سلامة، وعلي الجندي) حين أسسوا “جمعية الكتاب الكلبيين” برئاسة الأخير، وطرحوا يومها شعارها الشهير: “الكلب أعلى مراحل الإنسانية”. الكلب اللندني مدلل، مرفّه، له اسم وجواز سفر وهوية، ولا يجرؤ أحد على تسميته (بلا مؤاخذة) “كلباً”. ثم إن الكلاب هناك أنواع؛ منها من يمشي ويتغنج وكأنه من قبيلة “هيفاء وهبي” أو “مارلين مونرو” في عز أيامها.. (هذا التوضيح للراشدين ويستحسن وجود الأهل!).

لا تقتصر دولة الكلاب على السيارات والمطاعم، بل تتعداها إلى الفنادق والطائرات ودور السينما. وإذا كان الشعب اللبناني يشكو من نقص المواد الغذائية وتآكل القدرة الشرائية ومن “كل شيء” تقريباً، وخاصة في ظروفنا الحالية، فإن الكلاب في أوروبا تعيش فوق المستوى المطلوب لأي شعب من الشعوب الفقيرة؛ فلها أجود اللحوم، وغرف النوم، والعيادات, والمصحات، والحلاقون المتخصصون في ذوق الكلاب ومزاجها، وصولاً إلى المقابر.. ونحن لا يهمنا من كل ذلك إلا “المصحات”، وإذا تعذر الأمر.. فالمقابر!

وبعد ذلك، يأتيك من يخبرك أن الناشطة المحبة للحيوانات “غنى نحفاوي” أُوقفت على خلفية فيديو نشرته كشفت فيه حقيقة رجل قاسي القلب، قام بربط كلب بخلفية سيارته وشحطه في الشارع بلا رحمة.

متى أُوقفت السيدة غنى؟ أُوقفت أثناء “صراع الجبابرة” على قانون العفو العام، حيث حلّ النواب مكان القضاة، وأصدروا أحكامهم – هنا تخفيفاً للعقوبة، وهناك براءة، وبين هنا وهناك، قسّموا الشعب اللبناني إلى ثلاث فئات:

الشيعة: مخدرات.

السنة: سلفية وإرهاب.

المسيحيون: عمالة لإسرائيل.

كل هذا يجري دون أن نسمع قاضياً واحداً يعطي رأيه فيما يحدث.. فهنيئاً لقضاءٍ لا يحركه إلا “كلب”!

شارك المقال