رغم مرور أربعة أشهر على تشكيل لجنة إدارة قطاع غزة وفقاً لخطة ترامب، فإن اللجنة لم تطأ أقدامها القطاع حتى الآن، وما زالت عالقة في القاهرة في انتظار سماح الجانب الإسرائيلي لها بذلك، مما أدى إلى تحول اللجنة إلى كيان مُعطَّل.
وفي الوقت الذي كان فيه مستشار الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر يُبشر بتحويل غزة إلى “ريفيرا الشرق” ومركز سياحي عالمي يضم مدناً ذكية ومطارات، يغرق الفلسطيني في غزة بمأساة إنسانية غير مسبوقة؛ حيث يعيش مئات الآلاف في خيام مؤقتة وعشوائية تحت ظروف معيشية قاسية شتاءً وصيفاً، وسط انهيار كامل للمنظومة الصحية والتعليمية، وانشغال دولي بالملف الإيراني. في حين تسيطر إسرائيل على أكثر من 55 في المئة من مساحة القطاع التي تقع شرق “الخط الأصفر” الافتراضي.
ولا تمتلك “لجنة غزة” خطة واضحة لإعادة الإعمار، ولا هياكل إدارية وخدماتية ومالية تُمكّنها من تنفيذ أي مهام حكومية؛ فهي تعاني من شح مالي وفجوة تمويلية هائلة. فمن أصل 7 مليارات دولار تعهدت بها دول خلال الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام، لم يصل لجنة غزة إلا عشرات الملايين من دولة الإمارات، وهو ما يتناقض مع تقديرات الأمم المتحدة التي تتحدث عن أن تكلفة إعادة الإعمار تتجاوز 70 مليار دولار وقد تستغرق عقوداً طويلة.
وقد قدّم ممثل “مجلس السلام” في قطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، خطةً من أجل الشروع في المرحلة الثانية من “خطة ترامب” لوقف النار في غزة، وعلى رأسها نزع سلاح حركة حماس، ودخول “قوات الاستقرار الدولية”، وتولي اللجنة مهامها في إدارة القطاع. لكن حماس رفضت الخطة، مشترطةً الانسحاب الإسرائيلي من كامل قطاع غزة أولاً قبل بحث موضوع السلاح.
وهكذا يقع قطاع غزة بين فكي كماشة؛ فمن جهة ترفض تل أبيب الانسحاب من القطاع مشترطةً ذلك بسحب تام لسلاح الحركة، ومن جهة ثانية ترفض “حماس” بحث مسألة السلاح إلا بعد انسحاب إسرائيل وتوفير ضمانات أمنية كاملة، واستيعاب موظفيها في الإدارة الحكومية الجديدة، وهو ما ترفضه إسرائيل.
وعلى ضوء هذه التعقيدات، يدرس ملادينوف خيارات جديدة مع إسرائيل تتضمن السماح بإدخال لجنة إدارة غزة، برئاسة علي شعث، إلى مناطق ستنسحب منها إسرائيل داخل القطاع، على أن تتولى اللجنة المسؤولية الحكومية المدنية هناك، ونشر عناصر قوتها الشرطية الجديدة. كما تسعى إسرائيل إلى تشجيع سكان غزة على الذهاب إلى مناطق خاضعة لسيطرتها في “الخط الأصفر”، وتقديم خدمات لهم في وضع أشبه بـ “محميات” أو “جزر سكانية” بعيداً عن سيطرة حركة حماس.
وتكمن خطورة هذه الخطوة بوصفها عملية إعادة تركيب اجتماعي وسياسي واسعة النطاق للفلسطيني؛ فالحروب لا تترك خلفها مدناً مدمرة فحسب، بل تترك أيضاً مجتمعات يُعاد تشكيلها تحت ضغط العنف والندرة والخوف. والمجتمعات الخارجة من الحروب لا تواجه فقط مهمة إعادة إعمار المدن والطرق والبنى التحتية، بل تواجه أيضاً مهمة أكثر تعقيداً تتمثل في إعادة بناء التوازن الاجتماعي، وترميم منظومة القيم والعلاقات التي تغيرت تحت ضغط الحرب، والحفاظ على هويتها الوطنية. وإعادة بناء الحجر، مهما كانت صعوبتها، تبقى مسألة تقنية واقتصادية يمكن إنجازها في سنوات محدودة، أما إعادة بناء المجتمع فهي عملية تاريخية أبطأ بكثير.
وبناءً على ذلك، لا يمكن اختزال حرب غزة في صور الدمار المادي أو في إحصاءات القتلى والجرحى؛ فهذه، على قسوتها، تمثل الوجه الأكثر وضوحاً للحرب، لكنها ليست بالضرورة أثرها الأعمق. فالخطورة تكمن في أن يقرر الإسرائيلي إخضاع الفلسطينيين لعملية فرز سياسي تحت ضغط الندرة الاقتصادية والتشرد والخوف، فيحدد الإسرائيلي مَن يحق له الإقامة في القرى والمجمعات السكنية المغلقة المزمع بناؤها، ومَن يُقصى.
الفلسطيني في هذا التصور لا يظهر كفاعل سياسي، ولا كصاحب حق في المكان، بل كعنصر فائض يجب التعامل معه إدارياً وضبطه، ويُختزل إلى كتلة سكانية تخضع لإجراءات تتضمن الفرز، والنقل، والاحتواء، والإدارة، من أجل إسكاته وضمان عدم تحوله مجدداً إلى مشكلة سياسية. فضلاً عن ذلك، فإن فكرة المجمعات السكنية المغلقة والمراقبة هي شكل مُحدَّث لسجن غزة، والذي سيدار عبر أنظمة سكن وتصاريح، مقابل المأوى والطعام والشراب.


