منذ استقلال لبنان في 1943، لعبت القوى الاقليمية والدولية ذات التأثير المباشر في السياسة الداخلية اللبنانية، أدواراً حاسمة في اختيار الرئيس، الذي يمثّل إلى حدّ كبير التقاء مصالح وديناميكيات تلك القوى الاقليمية الجيوسياسية.
فعقب استقلاله، تقاسمت كلّ من بريطانيا وفرنسا النفوذ في لبنان، لكنّهما سرعان ما خسرتا حصريتهما هناك مع دخول لاعبين إقليميين (الدول العربية) على الخط. ولعلّ الفترة الأكثر استقراراً في تاريخ لبنان الحديث (بعد الحرب الأهلية) هي حين تقاربت وجهات النظر الأميركية والفرنسية والسعودية والسورية فيه. وهذا ما يؤكد أنّ المشكلة في لبنان تبدأ من ارتباط القوى الداخلية بالخارج، وعند اختلاف الخارج تتأزم الأمور في الداخل.
إلا أنه بعد العام 2005، شهد لبنان وإستطراداً المنطقة بأسرها تحولات وتطورات جذرية وعميقة، غيّرت كلّ قواعد اللعبة التي كانت قائمة، ونال لبنان نصيبه من هذا التغيير، من خلال تمكّن “حزب الله” من الامساك بالقرار اللبناني والتحكم به، وسط غياب العرب والمجتمع الغربي عن لبنان، بسبب إستسلام وإذعان الطغمة السياسية المتسلطة والعهد “العوني” لإرادة الحزب والمحور الاقليمي الذي زجّ لبنان به.
ذلك كلّه وضع لبنان أمام طريق سياسي وعر للغاية تشوبه أزمات اقتصادية واجتماعية خطيرة، عزّزت من الانقسامات الداخلية التي منعت الأطراف والقوى حتى الآن من الاتفاق على مرشح لتولي سدة الحكم، بعد مضي زهاء ثمانية أشهر على إنقضاء ولاية الرئيس ميشال عون “الجهنمية”، الذي تزامنت مع انهيار مالي غير مسبوق في تاريخ البلاد، أدى إلى ارتفاع في معدلات الفقر والبطالة، وترافق مع احتجاجات شعبية ضخمة مناهضة للحكومة وداعية لمكافحة الفساد.
كذلك، شهد عهد عون تفجير بيروت ومرفئها المزلزل، الذي سقط نتيجته عشرات الضحايا وأتى على مساحات كبيرة من المدينة، فضلاً عن تعطيل أحد أكثر المرافق الاقتصادية حيوية في البلاد.
بعد إنفجار بيروت، وجدت فرنسا الفرصة مؤاتية لاستعادة دورها المفقود في لبنان والشرق الأوسط (!) أو بعض منه، فحضر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت (لاقى تعاطفاً كبيراً “مؤقتاً” في أوساط اللبنانيين)، وعقد في حينه لقاء مع القوى السياسية اللبنانية، التي جمعها في “قصر الصنوبر”، حيث طرح مبادرة وافق الجميع عليها داخل القاعة… إلّا أنّ ما لفت الأنظار حينها، أنّه وبعد إنقضاء الاجتماع، عقد ماكرون لقاء “على الواقف” مع النائب محمد رعد، لمدة خمس دقائق، قيل وقتها، إنّه الاجتماع الفعلي، وما سبقه مع الأطراف اللبنانية، مجرد إجتماع شكلي من باب رفع العتب!
كان ذلك كفيلاً بأن ينقلب الجميع، وفي مقدمهم ماكرون نفسه، على المبادرة الفرنسية “الوهمية” أو “الخدعة” بعدما أدرك الجميع، مراميه الحقيقية، الهادفة إلى الدخول في صفقات نفطية واقتصادية مع لبنان وإيران من خلال مهادنة “حزب الله”، على حساب لبنان الدولة والكيان والنظام.
ومنذ ذاك الوقت لم تتوقف فرنسا عن محاولاتها لإيجاد مخرج لأزمات لبنان المفتوحة والمتتالية، بالتناغم والمحاباة مع رغبات إيران و”حزب الله”، بما يتماهى مع مصالحهم المشتركة.
ففي نهاية آذار الماضي، استقبلت باريس عدداً من المسؤولين اللبنانيين، أبرزهم رئيس الحزب “الاشتراكي” وليد جنبلاط ورئيس تيار “المردة” ومرشح “الثنائي الشيعي” الأوحد للرئاسة سليمان فرنجية، الذي التقى مستشار الرئيس الفرنسي المسؤول عن الملف اللبناني باتريك دوريل، كونه من أبرز الأسماء المرشحة للرئاسة من “حزب الله” وحركة “أمل”، وكذلك طرحه من الادارة الفرنسية لا سيما الرئيس ماكرون.
وفي منتصف كانون الثاني، عقد لقاء خماسي فرنسي – أميركي – قطري -سعودي – مصري في باريس، لبحث الأزمة اللبنانية.
كلّ هذا الحراك الفرنسي على صعيد الملف الرئاسي، تحت مسمى “مبادرات” لم يتمكن من إحراز أيّ تقدم، لا بل الحركة الفرنسية “من دون بركة” أتت بنتائج عكسية، إذ وضعت لبنان أمام طريق سياسي وعر للغاية تشوبه أزمات اقتصادية واجتماعية خطيرة، عزّزت من الانقسامات الداخلية التي منعت الأطراف والقوى حتى الآن من الاتفاق على مرشح لتولي سدة الحكم.
وأكثر من ذلك، مع تبني فرنسا وتسويقها لمرشح الثنائي الشيعي، وجدت القوى المعارضة هذا “التسكين” لرئيس الجمهورية، تحدّياً كبيراً لها، جعلتها تتكتّل بكلّ تناقضاتها، كلّ فئة منها تبعاً لحساباتها السياسية.
وعليه، جاء تبني الوزير الأسبق جهاد أزعور، بعد إتفاق الحزبين المسيحيين الأبرز والمعارضة والتغييريين على تبنيه في مواجهة فرنجية، وسط التلويح الأميركي بفرض عقوبات على رئيس المجلس النيابي نبيه بري في حال لم يدعُ إلى جلسة انتخاب.
هذا التطوّر أعاد خلط كلّ الأوراق الرئاسية، ووضع الثنائي أمام مأزق، خصوصاً بعدما فقد الغطاء المسيحي، وهو لطالما كان ينادي بالميثاقية.
والمأزق ليس داخلياً وحسب، بل يطال بالدرجة الأولى فرنسا ورئيسها، الذي أراد أن يقفز فوق كلّ المتغيرات التي حصلت في الآونة الأخيرة على صعيد الشرق الأوسط، لا سيما التقارب السعودي – الايراني، وعودة سوريا الى الجامعة العربية، بعد المصالحة مع دول الخليج، في مقدمها المملكة العربية السعودية، ما يعني عودتها الى دورها المحوري في المنطقة، خصوصاً مع ديبلوماسية الانفتاح التي يعتمدها الأمير محمد بن سلمان.
وهذا ما يفسر عدم استجابة الأطراف اللبنانية في لبنان للدعوات الفرنسية المتكرّرة، ورفضها الالتزام بالمبادرات المتتالية، التي طرحتها باريس للخروج من الأزمة الرئاسية. فمهما قامت فرنسا بمبادرات تراها مناسبة تجاه لبنان، ينبغي عليها أن تعلم أنّ اللاعبين الفعليين واقعياً على أرض لبنان، في مكان آخر.
فهل ستدرك فرنسا، ولو متأخرة أنّ الملف اللبناني بات مرتبطاً بالتفاهم السعودي – الايراني المستجد، وأنّ الولايات المتحدة الأميركية ما زالت اللاعب الأبرز في المنطقة، لكي تنقذ ما تبقى من “رصانة” سياستها الخارجية ومصداقيتها؟
بالانتظار، من غير المرجح أن تنتهي الأزمة الرئاسية في أيّ وقت قريب.


