المسمار الأخير في نعش ترشيح فرنجية!

جورج حايك

لم يبق أمام الثنائي الشيعي إلا إعلان سحب ترشيح رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية، فكل المعطيات تؤكد أنه بدأ البحث عن إسم بديل يطرحه بعد الحوار المقترح من الموفد الفرنسي جان ايف لودريان، ومن المتوقع أن يكون في أيلول المقبل.

لا شك في أن ما بُني على باطل فهو باطل، لأن هذا الترشيح جاء من الثنائي الشيعي ولم يلقَ أي تأييد من القوى السياسية الأخرى، ما جعله مرشح تحدٍ بإمتياز، وعلى الرغم من دعمه من الفرنسيين بما عرف بالمبادرة الفرنسية، عجز الفريق الممانع عن إقناع الآخرين بطرحه، علماً أن لبنان أمضى 6 أعوام في جهنم في ظل عهد الرئيس السابق ميشال عون الذي كانت مرجعيته الضاحية الجنوبية، وبالتالي لا أحد كان مستعداً لتكرار التجربة مع فرنجية الذي لن يختلف عن عون في ارتباطه بـ”حزب الله” ومشروعه الظلاميّ المخالف لهوية لبنان الحضارة والتعددية والحرية وكرامة الإنسان.

حاول “الحزب” كل شي: إبراز فرنجية كمرشّح توافقي وهو لا يحظى بتأييد مسيحي ولم يكن يوماً توافقياً، دعا إلى الحوار، ولم يكن إلا حواراً مشبوهاً يستبدل فيه آليات الانتخابات الدستورية الديموقراطية بحوار يريد أن يفرض فيه مرشّحه، سوّق بأن الاتفاق السعودي – الايراني يصب في مصلحة فرنجية، من خلال ضغط السعودية على أصدقائها في لبنان للقبول به، وكان كل ذلك مجرد أوهام وأحلام، ثم انتقل إلى اللعب على وتر التفاهم الفرنسي – السعودي، وربما حاولت فرنسا اقناع القيادة السعودية بفرنجية، إلا أن الموقف السعودي “الحكيم” أبى الدخول في هذه التفاصيل تاركاً للقوى السياسية اللبنانية حق اختيار مرشّحها بحرية وديموقراطية. ولعب “الحزب” على خط التقارب السوري -الخليجي، وبقي كل هذا التقارب حبراً على ورق لعدم وفاء النظام السوري بالتزاماته، وحتماً هو أضعف من أن يقرر مصير انتخابات رئاسية في لبنان، لأن حكمه في سوريا ضعيف وتقوده ايران وروسيا، إضافة إلى النفوذ الأميركي والتركي. وهناك صفقات حاول “الحزب” تمرير فرنجية من خلالها، وقد أفشلتها المعارضة مثل صفقة المقايضة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وصفقة السلة التي تشمل الرئاسات والحكومات والادارات، وصفقة توسّل الخارج لتغيير معادلات الداخل.

وكل البيانات والقرارات الأممية التي صدرت عن المجتمع الدولي لم تكن تصبّ في مصلحة “حزب الله” وفرنجية، بدءاً من الجامعة العربية، مروراً بالبرلمان الأوروبي، وصولاً إلى اللجنة الخماسية التي تضم الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والسعودية ومصر وقطر.

ولا يختلف اثنان على أن زيارة البطريرك بشارة الراعي إلى باريس واختلاف الدول الأربع في اللجنة مع فرنسا حول دعم فرنجية، وضع حداً للمبادرة الفرنسية التي إشتمّ منها رائحة مصالح وصفقات كان الرئيس ايمانويل ماكرون أحد أطرافها، واستبدلت الريادة الفرنسية بقرار جماعي للدول الخمس، ووضع سقف جديد، توّج بالزيارة الأخيرة للودريان كممثل عن اللجنة الخماسية وليس فرنسا فقط، فحاول تسويق طرح جديد بمباركة من “الخماسيّة” وموافقتها التامة، والأهم في هذه المبادرة هو الدعوة إلى حوار حول مواصفات الرئيس والانتخابات الرئاسية، وتخطي أسماء المرشحين، وضرورة الالتزام بالدستور والآليات الدستورية الديموقراطية. وما يحصل هو صفعة أخرى لمنطق “حزب الله” الذي بات ملزماً بالتفكير جدياً في مسألة نزوله عن الشجرة والبدء بالبحث عن بدائل يلاقي فيها القوى السياسية الأخرى في منتصف الطريق.

ولم يعد سراً أن لودريان أبلغ النواب أن فرنسا لم تعد تدعم فرنجية، وعندما سأله أحد النواب هل ستعلن عن ذلك في الاعلام؟ لم يجب لكنه أطلعهم على أنه أبلغ ذلك إلى “الحزب” ورئيس مجلس النواب نبيه بري.

والحوار الذي يتحدث عنه لودريان ليس لمصلحة فرنجية ولا يتلاءم مع منطق الثنائي الشيعي، ولو أبدى مرونة وقبولاً بالمشاركة فيه، ويرمي هذا الحوار إلى بلورة توافق بشأن التحديات التي يجب على رئيس الجمهورية المستقبلي مواجهتها والمشاريع ذات الأولوية التي يجب عليه أن يقوم بها، وبالنتيجة المواصفات الضرورية من أجل تحقيق ذلك. ويصبو هذا اللقاء إلى توفير مناخ من الثقة وإتاحة اجتماع البرلمان في أعقاب ذلك وضمن ظروف مؤاتية لاجراء انتخابات مفتوحة تتيح الخروج من هذه الأزمة سريعاً. وبما أن الحوار يضم فريقين متناقضين بإشراف دولي، لن يعود لمرشّح التحدي فرنجية مكان، وسيتم البحث عن رئيس توافقي بالفعل تنطبق عليه هذه المواصفات ولن تقبل المعارضة بفرنجية أو ما يشبهه في الرئاسة. وهكذا يكون الحوار المنشود هو المسمار الأخير حكماً في ترشيح فرنجية.

أمام هذا الواقع، بات من الضروري أن يفكّر فرنجية جدياً في المحافظة على ماء الوجه، والتحضير للانسحاب من السباق الرئاسي لأن حظوظه باتت “صفراً”، وهذه فرصة لإثبات فروسيته التي يتباهى بها، علماً أن الظروف غير مؤاتية له لا محلياً ولا خارجياً، فالثنائي الشيعي يعرف ذلك، وفرنجية ليس بعيداً عن هذه الأجواء.

وفعلياً، انتقل الثنائي الشيعي والممثل الرسمي له أي الرئيس بري من التسويق لفرنجية إلى همّ إبعاد كأس العقوبات المرّ عنه، علماً أن سبب ارتياح بري بعد لقاء لودريان، أن الأخير وعده بتجنيبه العقوبات إذا كان متعاوناً في ملف رئاسة الجمهورية، وسنشهد ربما زيارة أخرى للودريان إلى لبنان لترتيب مسألة الحوار إذا وافقت كل القوى السياسية على المشاركة فيه، فهل يحمل أيلول بشائر ايجابية على هذا الصعيد؟

شارك المقال