في ذكرى ميلاده الـ 95… أحمد فؤاد نجم “الفاجومي” المشاغب

زياد سامي عيتاني

حلت يوم الجمعة في 17 أيار الذكرى الـ 95 لميلاد الراحل أحمد فؤاد نجم “الفاجومي” واحد من أشهر شعراء العامية في مصر وأكثرهم جرأة وشغباً، وسجناً. وقد دفع في سبيل هذا الأمر الكثير من سنوات عمره في السجن، وظل فخوراً بما قدمه من أعمال، وما اتخذه من مواقف طوال حياته. لم يكن أحمد فؤاد نجم، أحد أهم شعراء العامية في مصر، وأحد ثوار الكلمة، وإنما كان بمثابة وزارة إعلام الغلابة وصوت المهمّشين، في الكثير من المواقف والأحداث التاريخية التي مرت بمصر. فنجم من المبدعين الذين سبقوا عصرهم سواء في رؤيته الشعرية التي انحاز فيها الى الفقراء وهاجم بشراسة كل من يتغوّل عليهم سواء كانوا حكاماً أو رجال أعمال ومشاهير من أصحاب النفوذ، أو في احساسه الفطري بما يهم الناس الى الدرجة التي جعلت من أشعاره حديث المجالس في بر مصر. الأغلب أن نجم الذي حصل على لقب “سفير الفقراء” عام 2007 من المجموعة العربية لصندوق مكافحة الفقر التابع للأمم المتحدة، تأثر في علاقاته الشخصية بطفولته الصعبة التي لم يجد فيها رفيقاً دائماً سوى الوحدة والألم والمعاناة.

ولد أحمد فؤاد نجم، لأم فلاحة أمية وأب يعمل ضابط شرطة هو محمد عزت نجم، والتحق بكتّاب القرية، وعاش طفولة قاسية، بعد وفاة والده، بحيث انتقل إلى بيت خاله حسين بالزقازيق، والتحق بملجأ أيتام عام 1936، ليخرج منه عام 1945 وعمره 17 سنة. بعد ذلك عاد الى قريته للعمل راعياً للماشية. ثم انتقل الى القاهرة عند شقيقه، إلا أنه طرده بعدها ليعود إلى قريته، حيث عمل في معسكرات الجيش الانكليزي والتقى بعمال المطابع الشيوعيين، واشترك مع الآلاف في المظاهرات التي اجتاحت مصر سنة 1946 وتشكلت أثناءها اللجنة الوطنية العليا للطلبة والعمال، فكانت بداية كفاحه الوطني ضد الانكليز. في الغالب أن نجم الذي اختار عنوان “الفاجومي” لمذكراته وهو تعبير اشتقه من كلمة “فجم” ويعني به الشخص المندفع الذي ينتقد ولا يحسب حساباً للعواقب، وهي كلمات تلخص حياته باختصار شديد، فقد دفع ثمن إندفاعه وهجومه الشرس على كل ما لا يعجبه سنوات من عمره قضاها في سجون جمال عبد الناصر وأنور السادات.

إنتقد عبد الناصر بقسوة مفرطة عقب نكسة 1967، على الرغم من عشقه الشديد له، ولم يثنه قرار حبسه عن نقده العنيف لناصر والنكسة في مجموعة قصائد انتشرت كالنار في الهشيم واعتبرها الشعب تعبيراً عن صدمته. وعلى الرغم من أن السادات هو من أفرج عن نجم بعد توليه السلطة عقب وفاة عبد الناصر، إلا أنه لم يسلم من لسانه السليط، حتى إن الرئيس الراحل أطلق عليه لقب “الشاعر البذيء” وأعاد سجنه بعد أن قدم نجم أشعاراً تسخر منه، لاقت إقبالاً كبيراً منها قصيدة “بيان هام” وقصيدة “الفول واللحمة” اللتان انتقد فيهما انتشار لصوص المال العام و”حرامية الانفتاح”.

وعلى الرغم من أنه لم يسجن في عصر حسني مبارك بل على العكس نال نصيبه المتأخر من الشهرة والنجومية، إلا أن ذلك لم يثنه عن اندفاعه الثوري فساهم في تأسيس تجمع “أدباء وفنانين من أجل التغيير” الذي كان أحد أشكال الحراك المعارض لاستمرار مبارك في الحكم، وقاد عدة مظاهرات تنادي برفضها توريث الحكم إلى نجله جمال.

تعد المحطة الفنية الأبرز في حياة “الفاجومي” تعرفه على الشيخ إمام في حارة حوش آدم، حيث أصبحا ثنائياً معروفاً وأصبحت الحارة ملتقى المثقفين، وقد نجحا في إثارة الشعب وتحفيز هممه قديماً ضد الاستعمار، ثم ضد الديكتاتورية الحاكمة ثم ضد غيبة الوعي الشعبي. ويقول نجم عن رفيق حياته إنه “أول موسيقي تم حبسه في المعتقلات من أجل موسيقاه وإذا كان الشعر يمكن فهم معناه فهل اكتشف هؤلاء أن موسيقى إمام تسبهم وتفضحهم؟”.

في حياة نجم بعض الحقائق التي لم يتوقف أمامها غالبية من كتبوا عنه، أولها أن أحداً ممن اقتربوا منه بعلاقة امتدت لفترة من الزمن لم يبقَ على درجة القرب هذه نفسها، وإنما على العكس فإن هؤلاء انتهت علاقتهم بنجم نهاية تراجيدية لم تخلُ من اتهامات وتصريحات عنيفة مثلما فعل الراحل الشيخ إمام الذي اتهم نجم بعد افتراقهما الفني بأنه يحب الزعامة وفرض الرأي، وهي صفات كان من الغريب أن يكتشفها المغني الراحل بعد سنوات طويلة من صداقته مع نجم التي أثمرت مجموعة من الأغنيات صنعت نجوميتهما معاً.

لم ينجح أحد في إذلال نجم طوال حياته أو إطفاء جذوته الثورية سواء بالحب أو بالسجن أو المال. والحقيقة التي تفسر عدم انكساره أمام المغريات أو العقوبات أنه وفقا لما كتبه عن نفسه في مذكراته أو ما يرويه عنه القريبون منه كان في حالة استغناء، فقد كان يعيش في أماكن متواضعة في أحياء شعبية طوال حياته، بحيث أنه في ذروة شهرته أصر على البقاء في المسكن الضيق الشعبي في منطقة “حوش قدم”، ولم يغره توافد أشهر فناني ذلك العصر ومثقفيه عليه في الانتقال الى مسكن في حي أرقى.

شارك المقال