رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو اقتصاد دولة الامارات العربية المتحدة للعام الجاري 2024، ليصبح 4 في المئة بدلاً من 3.5 في المئة. وبحسب بيان صادر عن الصندوق، من المتوقع أن يبقى معدل التضخم “تحت السيطرة” عند مستوى قريب من 2 في المئة. ويأتي ذلك في ظل نجاح الامارات في تجاوز التحديات الناجمة عن التوترات الجيوسياسية، وبعدما أظهرت السلطات قدرة استثنائية على التعامل مع حادثة الفيضانات الأخيرة.
وتم الاعلان عن هذا التعديل خلال زيارة قام بها وفد من خبراء صندوق النقد الدولي بقيادة علي العيد، إلى دولة الامارات، حيث عقدوا سلسلة لقاءات مع الحكومة الاماراتية لبحث مستجدات الاقتصاد الاماراتي ومناقشة مشاورات المادة الرابعة للعام 2024. وأكد الخبراء اتساع نطاق النمو الاقتصادي في دولة الامارات، مدعوماً بنشاط محلي قوي في قطاعات حيوية مثل السياحة والبناء والخدمات المالية.
انتعاش ونمو
أظهرت أحدث توقعات صندوق النقد الدولي استمرار تراكم الفوائض المالية والخارجية في دولة الامارات في المدى المتوسط والقصير وذلك بفضل الارتفاع النسبي لأسعار النفط. ومن المرجح أن يبلغ الفائض الحكومي العام حوالي 5.0 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي في العام 2024، بينما من المتوقع أن يستمر انخفاض الدين العام نحو 30 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي مدعوماً بإستراتيجيات إدارة الديون الفاعلة. وإلى جانب ذلك، من المتوقع أن يلبي الإنفاق الرأسمالي احتياجات البنية التحتية المستمرة، بينما سيدعم تطبيق ضريبة دخل الشركات الإيرادات غير النفطية مع تنفيذه بالكامل في السنوات المقبلة. وتوقع الصندوق أن يبلغ فائض الحساب الجاري حوالي 10 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي في العام 2024.
وأوضح بيان الصندوق أن الطلب الأجنبي القوي على العقارات، وتزايد العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف، ومكانة دولة الامارات كملاذ آمن، تساهم جميعها في دفع النمو السريع لأسعار المساكن وارتفاع الإيجارات، مدعوماً بوفرة السيولة المحلية. إذ من المتوقع أن يشهد هذا العام نمواً في الناتج المحلي الاجمالي الهيدروكربوني، بما في ذلك ارتفاع إنتاج النفط الخام نتيجة لزيادة حصة دولة الامارات في “أوبك +”.
مواجهة المخاطر
حذّر البيان من أنّ هذه التوقعات تخضع لبعض المخاطر الخارجية وعدم اليقين، بما في ذلك التوترات الجيوسياسية، وتباطؤ النمو العالمي، والظروف المالية، وتذبذب أسعار السلع الأساسية. وتُضاعف التأثيرات غير المؤكدة لتغير المناخ وسرعة الجهود العالمية لإزالة الكربون من هذه المخاطر. ومع ذلك، تُساهم الاحتياطيات المالية العامة الكبيرة لدولة الامارات في تخفيف هذه المخاطر، بينما يُمكن أن يؤدي تسريع الاستثمار العام والخاص، والاصلاحات الهيكلية، بما في ذلك تحقيق أهداف مناخية أكثر طموحاً وتطوير الطاقة والتكنولوجيا منخفضة الكربون والمتجددة، إلى تحفيز النمو بشكل يفوق التوقعات.
وأكّد أنّه ينبغي في ظل هذه الخلفية، أن تظل السياسات مركزة على تحقيق النمو المستدام والمتنوع وضمان الاستقرار المالي والنقدي، مع تحسين القدرة على التكيف مع الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية. وفي هذا الصدد، رحب الصندوق بالجهود المبذولة لمواصلة تعزيز الحيز المالي واستكمال تنفيذ الاطار النقدي بالدرهم، ما يعزز مرونة النظام المالي في دولة الامارات. ويرحب الخبراء بإنشاء مجلس الاستقرار المالي ويشجعون على تنفيذه.
وأضاف أنّ البنوك تتمتّع بمركز مالي صحي مدعوم باحتياطيات كبيرة من رأس المال والسيولة، في الوقت الذي تُظهر جودة الأصول العامة تحسناً ملحوظاً. ويُظهر نمو الائتمان قدرة على التكيف على الرغم من الارتفاع الأخير في أسعار الفائدة المحلية. ويعتزم البنك المركزي إعادة متطلبات الاحتياطي إلى مستواها التاريخي البالغ 14 في المئة للودائع تحت الطلب، مُشيداً باستخدام إطار الدرهم النقدي لمعالجة فائض السيولة المحلية ودعم الجهود المبذولة. وفي هذا الصدد، أكد الصندوق أهمية التنسيق المستمر مع وزارة المالية لتعزيز سوق رأس المال المحلي وتطويره، مُشدداً على ضرورة مراقبة المخاطر الناجمة عن النشاط في القطاع العقاري عن كثب، مع الاستعداد لتشديد السياسات الاحترازية الكلية ذات الصلة إذا لزم الأمر. ومن المهم أيضاً، تعزيز رصد مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن تغير المناخ.
نهج مالي مُزدهر
الصندوق أثنى على الجهود المبذولة لرقمنة النظام المالي ومشهد الدفع، مؤكداً ضرورة الاستمرار في اتباع نهج مُدرك للمخاطر في هذا المجال. وشدد على أهمية أن تُبنى المبادرات الهادفة إلى تطوير صناعة الأصول الافتراضية وتنظيمها على تقييم دقيق لمخاطر الاقتصاد الكلي والاستقرار المالي. كما ثمّن الجهود الحثيثة المبذولة في إطار الاستراتيجية وخطة العمل الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتي أدت إلى استبعاد دولة الامارات من قائمة المراقبة المعززة لفريق العمل المعني بالاجراءات المالية، مؤكداً أهمية الاستمرار في هذه الجهود لتحقيق المزيد من التقدم.
وأشار الصندوق إلى أهمية الحفاظ على سلامة الوضع المالي من خلال تصحيح أوضاع المالية العامة وإجراء إصلاحات هيكلية لضمان الاستدامة على المدى المتوسط. إذ ستُساهم ضريبة دخل الشركات في تحسين الاقتصاد على المدى الطويل، مع ضرورة تعزيز تحصيل الضرائب وإدارتها. ويجب تعزيز القواعد والأهداف المالية على المستوى المحلي والاتحادي مع تنسيقها في إطار استراتيجيات مالية متوسطة المدى، وتطوير إطار لإدارة الأصول والالتزامات السيادية لضمان الإدارة الفاعلة للاستثمارات وتعزيز السياسات المالية ومراقبة المخاطر.
أجندة الإصلاحات
وعن أجندة التطوير، شدد الصندوق على ضرورة المضي قدماً في دعم مسار الاصلاحات الهيكلية الطموحة في دولة الامارات، وذلك من خلال اتباع نهج شامل يعتمد على استراتيجيات حكومية متكاملة، وتوفير أطر حوكمة قوية، وتشجيع تنمية القطاع الخاص والنمو الأخضر. وفي هذا الصدد، ستكون الجهود المنسقة لمواصلة تعزيز اتفاقات الشراكة الاقتصادية والاجتماعية، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر والمواهب، والتنفيذ الكامل لاستراتيجيات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والاستراتيجيات الخضراء، أمراً بالغ الأهمية. ويجب استكمال الجهود المبذولة بتدابير إضافية لضمان تكافؤ الفرص، وتعزيز الوصول إلى التمويل، والافادة من التقدم المحرز في برنامج التوطين وتعزيزه، ومواصلة سد الفجوة بين الجنسين، ومواصلة تحديث شبكات الأمان الاجتماعي. إذ إنّ الالتزام المستمر بتحسين معايير البيانات والشفافية من شأنه أن يُساهم في تحسين عملية التقييم الاقتصادي وتنفيذ الاصلاحات.
اقتصاد رائد
تُرسّخ دولة الامارات اقتصادها كمركز عالمي للتنافسية والتنوع، من خلال تبني سياسات واستراتيجيات فاعلة تُحفز الابتكار وتُعزز قدرة الاقتصاد على التكيف مع المتغيرات. ولا يزال الاقتصاد الاماراتي يشهد زخماً قوياً بحيث تُشير التوقعات باستمرار إلى تفاؤل متزايد بشأن آفاق اقتصاد الامارات، مع رفع العديد من المنظمات الدولية توقعاتها لنمو الاقتصاد خلال العامين القادمين، حيث تعكس هذه التوقعات المحسّنة ثقة قوية بقدرة الاقتصاد على مواصلة مسيرة الازدهار وتحقيق نمو مستدام على المدى الطويل. ومؤخراً، رفع البنك الدولي أيضاً توقعاته لنمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي للإمارات لعامي 2024 و2025، بحيث قام في نيسان 2024، بتعديل توقعاته لنمو العام 2024 من 3.7 في المئة إلى 3.9 في المئة، بينما تم رفع توقعات العام 2025 من 3.8 في المئة إلى 4.1 في المئة. وأظهر تقرير البنك، أن دولة الامارات سوف تتمتع بأعلى معدل نمو في إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بين دول مجلس التعاون الخليجي لعامي 2024 و2025 مؤكداً على مكانتها كأحد أقوى الاقتصادات في المنطقة.


