روق يا شيخ!

الراجح

استهجنت كثيراً فهمك لفرز القيادات المسيحية بين عميل لـ”الاحتلال السوري” ومقاوم لـ “الاحتلال السوري” وكان الأمر الأكثر استهجاناً هو تصنيفك للجنرال ميشال عون بأنه مقاوم لذاك الاحتلال!

شيخ سامي، مع بدء الحرب العالمية الأولى إثر اغتيال أرشيدوق النمسا فرانز فرديناند، دخلت البشرية في حقبة شهدت صعود شخصيات مثل موسوليني وهتلر وستالين وماو تسي تونغ وبول بوت وفرانكو وهاري ترومان وتشانغ كاي شيك، لعب كل منهم أدواراً متفاوتة تراوحت بين إنقاذ العالم وإعادة بنائه. وسادت خلال تلك الحقبة نظرية تقسيم العالم إلى قسمين متوازيين متساويين: العلم والقتل، أو المعرفة والجهل.

تُقرأ كتب التاريخ عموماً بدقة المزوّر وبحسب الانتماء. ففي مكان ما، يُذكر كيف رمى ماو تسي تونغ ثلاثين مليون صيني قتلى على جانبي الطريق، بينما يُذكر في مكان آخر كيف أعطى غاندي الحرية لثلاثمائة مليون هندي في حينه!

واحد يبني وآلاف يهدمون… فتخيل يا شيخ سامي عشرين ألف قتيل في الهندوراس بسبب مباراة كرة قدم، بينما يسقط ثمانمائة ألف في رواندا بتحريض من إيطالي يعمل في الاذاعة المحلية. ومن رواندا إلى لبنان، مائتا ألف قتيل لإسقاط المارونية السياسية التي كانت تتهاوى من تلقاء نفسها.

من خلال ما سبق، يتّضح يا شيخ سامي أنّنا نواجه انحداراً سريعاً يهدد كلّ الإيجابيات والإنجازات التي حقّقتها منطقتنا خلال حقبةٍ نهضويةٍ ساطعة، تجسّدت بشخصيات بارزة في المسيحية المشرقية مثل: العظيم شارل مالك، فارس الخوري، قسطنطين زريق، بولس المعوشي، جبران خليل جبران، بشارة خليل الخوري، مي زيادة، جرجي زيدان، فؤاد صروف والأخوان تقلا مؤسسا جريدة “الأهرام” المصرية.

في تلك الحقبة، ازدهر الأدب والشعر والمسرح والسينما والصحافة والحريات والقانون. أمّا اليوم، وبحسب “فرزك” لها، تُمثّل المسيحية المشرقية جبران باسيل المقاوم للاحتلال وعمه الجنرال – المقاوم الأكبر، وفرزت معهما بشير الجميل وسمير جعجع – يا للغرابة!

شيخ سامي، بصفتك قائداً ورئيساً لحزب لبناني تاريخي، لا شك في أنك على دراية تامة بأنّ القتال الحقيقي ضد “الاحتلال السوري للبنان” دارت رحاه في ساحات مغايرة لما وصفته. إنّ مراجعة التاريخ تكشف عن ملاحم بطولية خاضتها مجموعات لبنانية ضد محاولة القوات السورية الدخول إلى مدينة صيدا، حيث تصدت لها ببسالة وحطمت العديد من دباباتها وأسرت عدداً من جنودها.

وتمتدّ شواهد المقاومة إلى منطقة البقاع، حيث اشتعلت معارك ضارية ضدّ الجيش السوري قبل حصار زحلة بكثير. وشارك في تلك المعارك مئات المقاتلين من الوطنيين الذين وقفوا في وجه الاحتلال السوري ببسالة.

أدرك أنّني لا أملك الحقّ في تسمية تلك المجموعات من دون استشارة من بقي من أعضائها الأحياء. لكنّ بإمكانك الوصول إلى التفاصيل كافة التي تُثبت صحة ما أقوله بخصوص مقاومة الوجود أو الاحتلال السوري، والذي دخل لبنان بطلب من المرحوم جدّك الشيخ بيار وبقية القيادات المسيحية الممثلة للجبهة اللبنانية في حينه.

ختاماً، تعمّق في قراءة معارك طرابلس ضدّ الجيش السوري، وتعرّف على خليل عكاوي الملقب بـ “أبو عربي”. اطّلع على قصص المئات من القتلى والشهداء والضحايا، وعشرات المعتقلين والمخفيين قسراً.

وإلى جانب ذلك، يمكنك استكشاف ما حدث في بيروت الغربية، من منطقة الطريق الجديدة إلى كورنيش المزرعة، مروراً بمنطقة السبيل والجامعة العربية وصولاً إلى طريق المطار، وغيرها من أحياء العاصمة التي قدّمت خيرة رجالها، أمثال الشيخ صبحي الصالح والمفتي حسن خالد، وغيرهما الكثير.

أعتقد يا شيخ سامي، أن مراجعة تلك المرحلة بدقة، مع التعمق في تفاصيلها، قد تُغيّر وجهة نظركم بخصوص مقاومة المسيحيين للاحتلال السوري. فقد تجدون أن قصف المناطق الشرقية من الجيش السوري لا يُمكن اعتباره مقاومة للاحتلال بكامل معانيها.

شيخ سامي، حان الوقت للتخلي عن عباءة الماضي والتوجه نحو المستقبل. أخبرنا عن رؤيتكم لمقاومة حواجز الحاضر من خلال بناء مستقبل أفضل.

شارك المقال