مجد الصحافة

د. نسب مرعب

تترجلّ الصحافة عن صهوة أنوثتها. فلا تستهويها فساتين السهرات السياسية، وإذا بها تحبّ العمل في وضوح الشمس، في ذروة اللهيب، وعند إلتقاء الشعاع اللامع بمناكب السفر.

تتعرّق الصحافة وهي تكابد، وإن لفظت أنفاسها في لحظة تسترجعها أقوى، كصفّارات تنذر الرؤوس الخاملة والأجساد المتراخية اللاهثة خلف الفراغ الصامت.

تأبى الصحافة أن يصلها الخبر بخنوع، فهي تجاهد لصناعة خبر يطابق الحدث. كما إنّ الحقائق بمنزلة القيثارة، ولا يحلو لحن الحياة إلّا عندما ترتجف الأوتار بين أنامل صحافي ماهر يدرك شغب الموسيقى وسحرها.

يظنّ البعض من ضعاف الإلهام، أنّ الذكاء الاصطناعي سيقضي على الصحافة، وأنّ الوسائل المرئية والرقمية قد سرقت بريقها ودفنتها إلى الأبد. هذا الوأد لم ولن يتمّ، لأن طفلة الصحافة تنتفض دوماً وتتفوّق على هواة القبور.

الصحافة ليست أداة كي تبلى، ولا وسيلة كي تنتهي مدة صلاحياتها. هي رسالة تجري على ضفافها الغرّاء علوم وفنون وآداب…

ويرتوي الجميع من مياه الصحافة العذبة الهادرة الصافية، وها هي كل القنوات تستعين بأهلها لتحليل الواقع، وتفسير المشهد، وإستشراف المستقبل.

الصحافة فكر لا ينضب، وهو يستمر ما دام على الأرض ذهن يقرأ المعطيات وعقل يختبر المتغيّرات.

ويجفّ مداد القلم فقط عندما يثبّت الكلمات على الورق، ولا يجفّ أبداً إستسلاماً. يتدفّق الحبر ويسيل أفكاراً غزيرة نقية يرتشفها القارئ مع إنبلاج الصبح أو في أي وقت. وقد أضحت كلّ البرهات زماناً للصحافة بفضل مواقع إخبارية تضجّ بالحيوية على مدار الساعة، ويتنفّس العالم كلّه من رئتها النابضة.

إنّ الصحافة لا تسهو، وإن رمشت، فلطرفة عينها تداعيات ومآلات وقصص.

ولوحة المفاتيح وشاشات الحواسيب والهواتف الذكية لا تمنع إبداع الصحافة، ولا تلغي بتاتاً الحاجة إليها. قد يختلف أسلوب حفر الكلمات وعرضها وتداولها، لكن المعاني كامنة في الصحافة بذاتها، وهي تتربّع على عرشها الفكريّ لا يهمها إن إزدانت بتاج الحبر وتدثّرت بالورق، أو إن كانت مملكتها عبارة عن أجهزة تتفاعل وكان الانترنت صولجانها.

الصحافة لا تكون ورقية أو إلكترونية أو رقمية. الصحافة هي الصحافة لا يوازيها سوى إنتقاء الفكر للعبارات بمنتهى الألق. الأعمدة لم تحدّ من نشاطها أو ثورتها كما أن الشاشات لا تختزل قوّتها وإمكاناتها.

صحيح أن تدريس الصحافة أكاديمياً يفرض تقسيمها إلى حقبات، ويبحث في تأثّرها بالمبتكرات التكنولوجية. لكن الصحافة قبل أي شيء روح تحاضر على منبر الحقيقة، ولا تحتضر سوى في وساوس أعدائها.

والصحافة بعد كل شيء مرّ بها، ستبقى ماثلة كقلعة للأفكار، وشاخصة عصيّة كصخرة هائلة تحفر عليها كلمات الحقّ فقط. وهي عابرة لأزمات الدّهر، إذ تزيدها كل محنة رونقاً، وتزيد أصحابها بها تعلقاً. إسمحي لي جلالتك أن أحتفي بك كل يوم كأيقونة للمجد، وأن أجعلك هويتي التي تترسخ كلما لاح فجر.

شارك المقال