“العصفورية اللبنانية”… والرقص فوق النار!

ياسين شبلي

بعد الجولة الأخيرة للجنة الخماسية العربية – الدولية على ما يسمى “الفعاليات” في البلد، وكذلك زيارة المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان الأخيرة في الذكرى السنوية الأولى لتعيينه، والتي أصبحت جميعها تبدو وكأنها تحركات موسمية لإظهار الاهتمام أكثر منها تحركات جدية، وكذلك زيارات بعض هذه “الفعاليات” أو ممثلين عنها إلى كل من فرنسا وقطر، بدأت تنهال علينا المبادرات الداخلية بشكل يدعو الى الاستغراب والسخرية ويدعم رأي من ينظر إلى هذا البلد على أنه “عصفورية سياسية” لا رادع لها ولا منطق.

فبعد مبادرة كتلة “الاعتدال الوطني” التي تُمثِّل برأي البعض على الأقل مبادرة “سُنية”، جاء تحرك كتلة “اللقاء الديموقراطي” بما يمثل بأكثريته من حيثية “درزية” – شئنا أم أبينا -، ومن بعدها – ولمَ لا تطبيقاً للميثاقية وهو الحريص الأكبر عليها – جاءت مبادرة رئيس تكتل “لبنان القوي” جبران باسيل “فتى المارونية الأغر” الموجهة أصلاً وحصراً الى حلفائه في الثنائي الشيعي، وكذلك خطاب رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية الذي لا يقل أهمية عن أي من المبادرات، بحيث أعلن وفي رسالة مفاجئة إلى من يعنيهم الأمر أن رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع هو الأكثر تمثيلاً للمسيحيين وبالتالي يجب أن يكون المرشح المقابل له في مجلس النواب بحسب نظرية “العونية السياسية”.

إذا أضفنا إلى كل ذلك مبادرة “الثنائي الشيعي” الدائمة والمستمرة وعنوانها الحوار والتوافق تحت سقف البرلمان وبرئاسة رئيسه، ومبادرة “القوات اللبنانية” – إذا صح التعبير – والقاضية بالنزول فقط الى المجلس النيابي وفتح دورات متتالية وكأننا في سويسرا أو إحدى الدول الاسكندنافية، نكون أمام مشهد سوريالي يبدو وكأنه بات لكل طائفة مبادرتها الخاصة وأكثر، وبصورة أدق ثلاث مبادرات مسيحية تقابلها ثلاث مسلمة، ما أوحى لبعض الخبثاء بالقول إن كل مبادرة من هذه المبادرات قد تلتقي أو تمثِّل دولة من دول الخماسية الدولية فتولد بذلك لجنة خماسية محلية تمثلها، ما يدعو إلى التساؤل إذا كان الجميع مبادراً ومهتماً بإنتخاب رئيس فما العقبة إذن ومن هي الجهة المعرقلة للحل؟

يجري هذا في ظل الحرب المستعرة في الجنوب والتي تلقي بثقلها على الأوضاع في كل مناحي الحياة في البلد، والتي باتت تتمدد رويداً رويداً لتطال مناطق جديدة – ولو نسبياً حتى الآن – وصلت حتى بعلبك الهرمل وعكار التي أصيب جراء الصواريخ الاعتراضية “الشقيقة” بعض من منازلها بأضرار، والتي لا ندري إن كان أصحابها يستحقون التعويضات أم لا بحسب بعض “النظريات” التي تطلقها أطراف سياسية معروفة في البلد، التي وفي محاولة منها للتستر على فشلها و”إفلاسها” السياسي، ومحاولتها تصدر المشهد “المعارض” تذهب بعيداً في هذيانها العنصري لتخوض معارك دونكيشوتية، تارة ضد الأطفال السوريين وذلك عبر المطالبة بعدم تسجيلهم في المدارس اللبنانية، وأخرى ضد فئة من المتضررين اللبنانيين من الحرب عبر الاعتراض على دفع التعويضات لهم، في مسعى منها الى إستغلال الضيق العام الذي يشعر به اللبنانيون من الأوضاع لمحاولة الحفاظ على شعبية أو الاستزادة منها والمزايدة على الآخرين في بيئتها الطائفية والسياسية، كل ذلك تحت ستار إتهامها – المحق في جانب منه للأمانة – لـ”حزب الله” بفتح جبهة الجنوب من دون إعطاء “علم وخبر” للحكومة اللبنانية التي هي في الأصل حكومته مع حلفائه – لمن ينسى أو يتناسى – وذلك بهدف التأثير – حسب رأيها – على إنتخابات الرئاسة التي بدأ الشغور فيها قبل الحرب بسنة، والتي كان قد حسم مثيلتها في العام 2016 من دون حرب في المنطقة وبمعيتها ما يضعف حجتها هذه، لا بل أكثر من ذلك يدعو الى الريبة في أن تشددها برفض الحوار قد يكون في جانب منه ناجماً عن مراهنة منها هي على هذه الحرب لإضعاف “حزب الله” أو ربما هزيمته في إستعادة ربما لسيناريو عام 1982 مع إختلاف الظروف كلياً ما يجعل من هذا السيناريو خيالياً بعض الشيء.

ولكي يكتمل “النقل بالزعرور” كما يقول المثل الشعبي وتكتمل صورة “العصفورية اللبنانية”، لا بد من الاشارة إلى الطروح السياسية الأخرى التي تُقدَّم كحلول للمعضلة اللبنانية في مثل هذه الظروف التي يعجز فيها اللبنانيون عن حل أبسط الأمور وليس أعقدها كطرح الفيدرالية، الذي يستجلب كما غيره من الطروح التقسيمية والشعارات الطائفية المقيتة والمستفزة ردوداً مضادة، كالموقف الذي أعلنه مؤخراً الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصر الله مهدداً بإعادة العد، ليعود ويرد عليه البعض بالحديث عن الكمية والنوعية وهو حديث بائس المفروض أنه لم يعد له مكان في عالم اليوم، كما أنه كمثل الذي قبله قد لا يكون يمثِّل رأي الأكثرية في البلد أو داخل كل طائفة وفئة، إلا أنه للأسف هو الرأي الأعلى صوتاً هذه الأيام حيث يسود التطرف الذي يحاول أربابه مرة أخرى التأكيد أن صيغة “العيش المشترك” إنما هي كذبة لا تعدو كونها “غشاً مشتركاً” يمارسه اللبنانيون بحق بعضهم البعض.

وهكذا نرى عجقة مبادرات وتحركات لكنها “حركة بلا بركة”، وتشبه الرقص فوق النار التي قد تمتد في أي لحظة لتحرق الجميع، وما ذلك إلا لأن الأكثرية من الفرقاء للأسف لا تأخذ الأمور بجدية ومسؤولية، فمنهم من يسعى الى غاية شخصية، ومنهم الى غاية حزبية وطائفية، ومنهم من ينتظر تطورات المنطقة وكلمة السر ليُبنى على الشيء مقتضاه، أما اللبنانيون من كل الطوائف، فمنهم النازح عن أرضه بقرار ليس قراره، ومنهم المرابط أمام السفارات طلباً لهجرة قسرية، ومنهم من ينتظر على طريقة “مجبر أخاك لا بطل”، ومنهم من شرب من بئر الجنون اللبناني فبات جزءاً من “العصفورية اللبنانية” يرى فيها جنته على الأرض، وفي زعيمه إلهاً يحيي ويميت فشُبِّه له أنه إستراح ولكن إلى متى؟ هذا هو السؤال.

شارك المقال