عبثية العقل الإلغائي

الراجح

قرأت مؤخراً مقالة للسفير والوزير السابق نبيل عمرو بعنوان “فتح وحماس وعبثية اقتتالهما”. أكد الكاتب والمسؤول أن منظمة التحرير الفلسطينية ترسخت شرعيتها بإجماع كامل عليها فلسطينياً وعربياً ودولياً، وأضحت هذه الشرعية بمثابة الإنجاز الأهم الذي منح “منظمة التحرير الفلسطينية” صفة الوطن المعنوي أو السياسي إلى حين قيام الدولة الفلسطينية.

مع تعدّد الخلافات والاختلافات وظهور برامج واتجاهات عديدة تحت هذه الراية، لم يكن مقبولاً أو مسموحاً التشكيك في شرعية “المنظمة” والتأكيد الدائم على الوحدة حولها. وحتى حين انقسم الوضع الفلسطيني بين جبهة الرفض بقيادة “الجبهة الشعبية” (حبش) والقبول بقيادة “فتح” (رفض التسوية مع العدو الاسرائيلي والقبول بها) لم تتأثر القضية والكفاح الوطني جراء هذا الانقسام. وتأكيداً على ذلك، قال القائد الراحل جورج حبش المقولة عن القائد والزعيم الراحل ياسر عرفات: “نختلف معه ولا نختلف عليه”. وذهبت “فتح” إلى أصعب قرار وخيار وهو الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود من خلال مؤتمر أوسلو والاتفاق الذي نتج عنه بإقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة وعاصمتها القدس. بدأ التغيير الحقيقي في البنية والاتجاه في الساحة الفلسطينية حيث دخلت “حماس” على خط المنافسة وبعدها الصراع مع “فتح”. وكانت بوابة أوسلو المدخل لمشاركة “حماس” في الانتخابات التشريعية الثانية وحصولها على نسبة عالية من التمثيل، تحوّل إلى نفوذ بسبب إخفاقات “فتح” في مسار التسوية. نتيجة لذلك كان الوضع الفلسطيني على الشكل التالي: “مع كل انتكاسة في مشروع السلام، وما أكثرها، كانت فتح تضعف وحماس تقوى”.

حين جاءت اللحظة التي أستعدّت لها “حماس” طويلاً، وقع الانقلاب الكبير الذي أحدث انقساماً أفقياً وعمودياً عميقاً. أدى هذا الانقسام إلى دخول القضية والشعب والحقوق في متاهة خطيرة، تمثّلت أخطر معطياتها في غياب الروح الوطنية. فلم يحرز المفاوض من أجل السلام وقيام الدولة أي إنجاز يُذكر، كما أخفق المقاتل الداعي الى استمرار الكفاح المسلح في تحقيق وعوده. وفي مثل هذه الحالة، تتراجع الإنجازات وتتعاظم الخسائر.

هذا نوع من الصراع لا أمل لأي طرف بالفوز فيه، لأن الوحدة الوطنية بديهية لأي حركة وطنية تقاتل احتلالاً. وللأسف، في الحالة الفلسطينية ليست غائبة فحسب، بل غيابها قوي الحضور والتأثير في كل المجالات.

لا يملك أي طرف القدرة على إلغاء الطرف الآخر، وبالتّالي، يبقى الممر الحتمي لتحقيق تقدم على صعيد القضية الوطنية هو الوحدة، لا استمرار الصراع العبثي وحصد الاخفاقات.

عام 2005، هُزّ لبنان بانقلابٍ مشابهٍ لما حدث في فلسطين، باغتيال الإجماع الوطني في الرابع عشر من شباط، لحساباتٍ إقليمية ضيقةٍ من دون رؤيةٍ استراتيجيةٍ واضحة. أدّى ذلك إلى انقسامٍ عموديٍ وأفقيٍ في البلاد، وها نحن الآن نعيش حالةً لا يستطيع معها أيّ طرفٍ فرض مشروعه، كي لا أقول شروطه، على الطرف الآخر. دفع هذا الوضع الأمين العام لـ “حزب الله” الى التأكيد في إطلالته الأخيرة على وجود أكثريةٍ من الشعب اللبناني مع المقاومة وقراراتها. إلا أن نظرةً إحصائيةً سريعةً على نتائج انتخابات 2022 تُظهر أن هذه القناعة لدى الأمين العام غير صحيحةٍ وغير دقيقة.

في ما يلي الأرقام الرسمية لكلّ من أطراف الانقسام:

حقق “حزب الله” 351,432 صوتاً في الانتخابات، بينما حصلت حركة “أمل” على 190,161 صوتاً. أما المستقلون 8 آذار فقد حصدوا 65,718 صوتاً. كما نال تيار “المردة” 21,688 صوتاً، والحزب الديموقراطي ارسلان 15,575 صوتاً، وحزب “الطاشناق” 13,750 صوتاً، والأحباش 29,857 صوتاً، والحزب “السوري القومي الاجتماعي” 7,492 صوتاً.

وبإضافة أصوات الحزب “التقدمي الاشتراكي” (66,131) و”الجماعة الاسلامية” (22,845) بعد تحالفها مع “حزب الله”، يصبح مجموع أصوات هذا الفريق 784,649 صوتًاً

في المقابل، حصل الفريق الآخر على الأصوات التالية:

  • القوات اللبنانية: 220,627 صوتاً.
  • الثورة: 330,527 صوتاً.
  • قدامى “المستقبل”: 112,996 صوتاً.
  • مستقلو 14 آذار: 82,271 صوتاً.
  • “الكتائب” ومرشحو اللوائح: 34,873 صوتاً.
  • “الحوار”: 17,180 صوتاً.
  • “سوا”: 13,750 صوتاً.
  • “حركة الاستقلال”: 11,269 صوتاً.
  • ميشال ضاهر: 9,229 صوتاً.
  • حزب “الأحرار: 5,272 صوتاً.

وبذلك، يصبح مجموع أصوات هذا الفريق 838,621 صوتاً، من دون احتساب أصوات التيار الباسيلي الذي أعلن معارضته للحرب التي تخوضها المقاومة.

أنا لست في موقع يسمح لي بطلبٍ أو نصيحةٍ، لكنّه يسمح لي بالتمني على الأمين العام وعلى جميع الأطراف الأخرى ألاّ ينزلقوا في لعبة الأرقام والأكثرية والأقلية. ففي مثل هذه الحالة، ستتراجع الإنجازات وتتفاقم الخسائر، ولن يستطيع أيّ طرفٍ إلغاء الطرف الآخر، وعندها ستبقى القوى السياسية، بينما يذهب الوطن!

شارك المقال