حديث العيد: الحمام والعيدية

عبد المنعم مصطفى

إنتهيت للتو من “حمومة العيد”، ذلك الحمام التذكاري، الذي نخلع فيه قديماً أبلى معنا أحسن البلاء على مدى عام فات، ونرتدي جديداً نمني أنفسنا أن نرفل داخله لعام كامل جديد.

كان لثياب يوم “الوقفة” شأن آخر في سنواتي المبكرة الأولى، بيجامة جديدة وطقم ملابس قطنية داخلية بيضاء جديد، حتى الشبشب أو الصندل كان جديداً من محلات “باتا” القريبة من منزلنا.

“حمومة العيد” في مطلع الطفولة، كانت كابوساً بالنسبة لي، فقد كانت ظروف الاستعداد لاستقبال العيد تقتضي من أهل المنزل استعدادات مرهقة، من تنظيف للبيت، يشتمل على عمليات “تنفيض” للشبابيك والشرفات الشاهقة الارتفاع، والتي تتطلب مهارات لاعب سيرك محترف من أجل تخليصها من الأتربة، وتلميعها بقطع من الخرق القديمة، عدا تنظيف وتهوية السجاجيد والأكلمة (جمع كليم وهو نوع من الأبسطة الأسيوطي المصنوعة من صوف الأغنام والتي تتداخل فيها ألوان البني والبيج والأبيض بأشكال فنية مميزة)، فضلاً عن إعادة ترتيب قطع الأثاث، وإضافة فرش جديد (أحياناً).

وسط كل هذه المهام الثقيلة، كانت مهمة إنجاز “حمومة العيد” هي آخر المهام، بعد أن يختفي قرص الشمس في مياه النيل على الضفة الأخرى في امبابة، وبعد أن يسدل الليل أستاره.

إحدى السيدات العفيات ممن شاركن في “تنفيضة العيد” كانت تختتم نشاطها في منزلنا باصطحابنا الى حمام منزلي ساخن، سبقتنا الى تسخينه، بعدما أشعلت وابور جاز نمرة اثنين، ووضعت فوقه حمالة حديدية، تحمل بدورها “بستله” معدنية عبارة عن وعاء كبير يحوي ماءً يغلي، اما على أرض الحمام فثمة “أنجر من النحاس” وهو وعاء أقل عمقاً من آنية الطهي ذي حواف منحنية الى الخارج.

في هذا “الأنجر” تصب السيدة البدينة العفية ماءً بارداً من الصنبور ثم تضيف اليه من “البستله” ماءً يغلي، وتستخدم “الليفة” الخشنة لدعك أجسادنا الغضة أنا وأخي الأصغر.

كنا نتضرر بشدة من الصابون الذي يحرق عيوننا، ومن الليفة الجديدة القوية، ومن يد السيدة العفية، التي نال منها التعب-لحسن حظنا- قبل أن تستفرد بأجسادنا النحيلة في حمام شديد السخونة، مفرط في فعاليته.

ما ان تنتهي السيدة العفية من حمام العوافي الذي تقدمه لنا حتى تلف كل منا في بشكير، وتدفع بنا خارج الحمام، بانتظار زبون جديد من اخوتي، لتتلقفنا أمي فتقوم بمراجعة مستوى الاستحمام، وتجفيف آذاننا، وأنوفنا، ثم يتلقفنا أبي ليمسك بأسفل ذقني بينما يمشط شعر رأسي بفرشاة قوية، كنت أقشعر ألماً كلما مرت على رأسي، وما إن ينتهي من تصفيف الشعر، حتى يلتقط مقصاً خاصاً بتقليم الأظافر، فيمسك بكفوفنا الصغيرة ونحن شبه مقيدين بقبضته القوية، ثم يقلم أظافر الأيدي والأقدام، قبل أن يضع كل منا في فراشه ويحكم تطويق الغطاء حول أجسادنا الغضة.

مع السنين، تغيرت الى حد ما طقوس “حمومة العيد”، أول ما تغير فيها، هو حصولي على الاستقلال التام في الحمام، اذ أصبحت أقوم بنفسي لنفسي بهذه المهام، وأضع بصمتي الخاصة عليه. في البداية أصبح بوسعي أن أغني في الحمام، ولا أعرف لماذا كان يبدو صوتي جميلاً اذ تتردد أصداؤه داخل الحمام، مع خلفية كلاسيكية يصنعها صوت وابور الجاز، مع عبد الحليم حافظ في المقطع الأثير “يا حبيبي عشت أجمل عمر في عينيك الجميلة عشت أجمل عمر.. أوصل الأيام مع الأحلام في غنوة شوق طويلة للرموش السمر”.

تطور الوضع لاحقاً مع ظهور الكاسيت، فقد أصبحت اصطحبه معي في الحمام واستمع الى ما أشاء من أغنيات رومانسية أغلبها لعبد الحليم حافظ، وفايزة أحمد وأم كلثوم، وفي مرحلة لاحقة أضفت اليها صباح بأغنيتين خاصتين الأولى كانت “الدنيا احلوت قدامي.. أول ما ظهرت في أيامي”، أما الثانية فكانت “الحليوة فين” وكنت أستعيد مناجاتها لحبيبها وهي تقول: “فين حبيبي اللي بحبه.. فين هنايا وقسمتي.. كان حنانه وعطف قلبه كل حظي في دنيتي.. كان بيسأل قبل ما أسأل.. كان يقول الود أجمل.. راح وراح الود فين؟!”.

لا أعرف بالضبط لماذا ابتعدت بعبد الوهاب، عن حمامي الغنائي على خلفية صوت وابور الجاز، لكنني فيما يبدو كنت أفضل الانفراد بعبد الوهاب في غرفتي، مع قصيدة “همسة حائرة”، وهو يعزي شوقه المكبوت، الى جملة شعرية نحتها له عزيز أباظة، يقول فيها “إن الحياء سياج الحب مذ كان”، وكأنما كنت أنا نفسي أواسي أشواقي المكبوتة الى حبيب مجهول، بالعبارة. ذاتها.

كنت بارعاً في شراء بسكوت البخت، وهو لمن لا يعرفه عبارة عن كوب صغير جداً من البسكوت الهش، كان وردي اللون يضعون به ملعقة عسل أسود، ويخفون داخل بعضه تحت العسل بعض قطع العملة من فئة مليم أو نكلة (٢ مليم) أو عشرين تعريفة (مليمان ونصف) أو تعريفة (خمسة مليمات). كان سعر البسكوته الواحدة مليماً واحداً، كنت أعطيه لأم جميل وهي سيدة ريفية جاوزت الأربعين، تضع قفصاً مقلوباً عند ناصية الشارع في الأعياد، وترص فوقه بعض الحلوى مثل العسلية، والمداغة المحشوة بالبندق أو الفول السوداني، وبسكوت البخت الوردي اللون، والذي كنت بارعاً في انتقاء البسكوته الرابحة منه، والتي غالبا ما أَجِد فيها قطعة من العملة تكفي لتكرار الشراء عدة مرات.

كانت المهمة في غاية البساطة، اذ يكفي أن تضع لوحة الكرتون التي يلتصق بها بسكوت البخت، أمام الشمس وتنظر داخل كل بسكوته، فإذا كان ضوء الشمس ظاهراً من قاعدة البسكوته كان معنى هذا أنها بدون قطعة عملة، اما إن كان مصمتاً أو معتماً فهذا يعني أن البسكوته تخفي داخلها قطعة عملة.

كانت عيديتي بهذا المعنى تكفي لشراء بضاعة أم جميل كلها، فمع كل ربح أحققه مع بسكوته البخت، أعاود الشراء مجدداً وهكذا… لكنني لم أكن أفعل هذا الا في النادر، فثمة مهام للعيدية السخية من أبي ومن عمي الأكبر ومن جدتي لأمي، كنت أنفقها لتأجير دراجة، أو لشراء سندويش القشدة بالعسل الأبيض من سعد اللبان قرب شريط الترام، أو لتقليد الكبار بالدخول لتناول الفطائر بأحد المحال الشهيرة.

تطورت احتياجاتي لاحقاً، ليصبح ارتياد السينما بين تلك الاحتياجات، اما أكثر ما استحوذ على اهتمامي، فهو اقتناء العطور، وشراء الكتب من سور مدرسة الراعي الصالح بشارع شبرا، ثم من سور الأزبكية لاحقاً.

عندما التحقت بالمدرسة الإعدادية، أصبح العمل مكوجي لملابس أسرتي بالبيت مصدر دخل إضافي، تضاعفت معه عيديتي عدة مرات، اذ كان الطلب على خدماتي يتضاعف ليلة العيد بصفة خاصة. كنت أجيد كي ملابسي، وكنت أمنح عائلتي تخفيضاً معتبراً، تقديراً لهم من جهة، وحتى أخلق حافزاً عملياً لديهم للاستغناء عن المكوجي، والاعتماد على خدماتي.

عوائد العيدية، وما ادخرته من مصروفي اليومي، وما أحصل عليه مقابل كي ملابس أبي وإخوتي، كانت تجعلني ثرياً بما يكفي لشراء ما أحب من العطور، انتاج قسمة والشبراويشي، وكذلك للاستمتاع بتناول القهوة في فندق عمر الخيام (فندق ماريوت الحالي) اذ كانت ستة قروش تكفي لتناول القهوة في عمر الخيام مطلع الستينيات، بينما كان يمكنك تناول “الكوشو” في الأمريكين مقابل ثلاثة قروش ونصف القرش، وهو لمن لا يعرفه حلوى تتكون من ثلاث كرات متنوعة من الآيس كريم، مضافاً اليها مربى النارنج غالباً داخل وعاء معدني يشبه نصف قمر.

كنت أذهب الى عمر الخيام أو الأمريكين من شبرا، سيراً على الاقدام رفقة أصدقاء مختارين بعناية، فلكل وجهة الصديق الذي يناسبها، كل بحسب اهتماماته، من يهتم بالسينما اصطحبه الى السينما، ومن يهتم بالمسرح أصطحبه الى المسرح، ومن يهتم بالموسيقى يرافقني الى حفلاتها، ومن يهتم بباليه الانزلاق على الجليد يصاحبني الى سينما أوديون التي كانت تبث أفلام باليه الانزلاق قبل عرض أفلامها الروسية.

أما المهتمون بالقراءة أو بالسياسة أو بالشطرنج، فقد تأخرت رفقتنا بسبب استحالة الجلوس بالمقاهي في سن مبكرة قبل الالتحاق بالجامعة على الأقل.

حملني الولع بالشطرنج لاحقاً الى مقاهي متخصصة في باب اللوق، كانت لها هي أيضاً رفقتها المناسبة، لكن انشغالي بالسياسة بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣، أخذني بعيداً عن سائر الاهتمامات عدا المسرح والقراءة.

طوّرت العيدية اهتماماتي في كل مرحلة عمرية، وساهمت ربما من دون أن تدري، ومن دون أن أدري أنا ايضاً، في تأهيلي للانخراط في مهنة الصحافة، تلك التي طبعت حياتي كلها، فاستحوذت علي، وأخذتني من ذاتي.

شارك المقال