الهزيمة حررتنا من أسبابها: لماذا أقلتم الوزير؟

عبد المنعم مصطفى

قالت جارتنا لأمي بوجه باهت يفيض واقعية كان التحلي بها عبئاً لا يحتمله أحد: “علينا أن ننتظر سنين عدة، قبل أن نتمكن من استعادة بَعض ما ضاع منا في هذه الحرب.. كان لازم يعني تاخدنا الجلالة أوي ونتحمق عشان اسرائيل بتهدد سوريا!”.

صدمتني عباراتها المفرطة في واقعيتها، كان ظني وأنا بعد فتى في الصف الأول الثانوي، أن الاحتلال الاسرائيلي سوف ينتهي قبل مرور عام واحد، ليس فقط لأننا سوف نستعيد سريعاً قدرتنا على هزيمة العدوان، وانما لأنني كفتى غيور على أرض وطنه، لا أحتمل أن أرى أرضي تبيت ليلة واحدة في أحضان محتل غاصب.

تصديت للرد عليها بغضب مؤكداً أن الاحتلال سينتهي في أقرب وقت، مجدداً ثقتي في جمال عبد الناصر كقيادة وطنية مخلصة وكفؤة، لكنها بواقعيتها المفرطة بدت في اللحظة نفسها أقوى من كل الآمال التي يلهمني إياها شبابي وطموحي وخيالي الرافض للتسليم بمنطق الحساب.

لم أكن أدرك بعد، مدى فداحة الهزيمة، ولا مقدار ما خسرناه في الحرب، لم أكن أعرف مقدار ما تبقى تحت أيدينا من معطيات القوة وأدواتها، كذلك فقد كنا قد اعتدنا كشعب تلقي تطمينات عامة مبهمة من دون الخوض في التفاصيل، مثل عبارات من نوع “الأمور على ما يرام” من دون أن يخبرنا أحد عما كان يرومه، أو أن يقال لنا “كله تمام” من دون إحاطتنا بمشتملات كلمة “كله” ولا بمفهوم كلمة “تمام” داخل هذا السياق.

كان شعبنا وما يزال، قانعاً بهذه الاجابات الكلية الشاملة المدمجة من دون أن يكلف نفسه عناء المراقبة والمحاسبة والمساءلة، ووسط هذه القناعة نمت وترعرت حالة من “الأنا مالية – وأنا مالي” أو عدم الرغبة لا في التدخل ولا في التأثير، فأنا مواطن بمقدار ما أتلقى وليس بمقدار ما أشارك.

عاد عبد الناصر صبيحة العاشر من يونيو (حزيران) الى موقع القيادة، متراجعاً عن قراره بالتنحي، نزولاً على إرادة الجماهير، التي لم يكن أغلبها يعرف، ما الذي جرى، ولا لماذا جرى ما جرى.

فقط عرفنا كجماهير أن لمعركة استعادة الكرامة متطلباتها، وأننا من أجل توفير تلك المتطلبات علينا أن نشد الأحزمة أكثر، وأن نتخلى عن ترف لم يكن متاحاً على أية حال.

منحتنا الهزيمة بعض الحقوق السياسية السليبة، كحق التظاهر مثلاً، كنا نعرف أن أمام عبد الناصر مهمة صعبة، عليه أن يعيد بناء الدولة للحرب، وأن يتخلص من أسباب الهزيمة، وهو ما جرى بالفعل في اليوم التالي لخطاب التنحي، فقد عاد عبد الناصر للرئاسة، ولم يعد عبد الحكيم عامر لقيادة الجيش.

محاكمات قادة الطيران، لم تكن محاولة جادة لاكتشاف أسباب الهزيمة ومحاكمة المسؤولين عنها، وانما كان هدفها الوحيد في اعتقادي تقديم كبش محرقة لإسكات جماهير لم يعد إسكاتها مهمة سهلة.

عدنا الى مقاعد الدراسة بالصف الثاني الثانوي، بينما محاكمات قادة الطيران مستمرة، وما إن صدرت الأحكام حتى اندلعت المظاهرات في جامعة الاسكندرية وامتدت لتصل جامعتي القاهرة وعين شمس، كان المتظاهرون يعتبرون أن الأحكام مخففة لا تشفي صدور شعب مهزوم.

امتدت المظاهرات حتى طالت مدرستي الثانوية، لكنني كنت قد سبقتها بالانضمام الى مظاهرة في ميدان رمسيس قبالة محطة السكك الحديدية الرئيسية، كان الاشتراك في المظاهرة، تجربة إنسانية فريدة بالنسبة لي، فأنا قد امتلكت شجاعة أن أقول لا لجمال عبد الناصر، هذا الزعيم الذي كنت مولعاً به، ومدافعاً عن سياساته، كنت أشعر أنني كبرت، وأنني أخرج الآن مع الكبار لأقول كلمتي في وجه زعيم يتمتع بكاريزما فريدة.

تلقيت ضربة بعصا من أحد جنود الشرطة المكلفين بفض المظاهرة، لم يكن شعراوي جمعة وزير الداخلية آنذاك قد استحدث قوات الأمن المركزي وقوة مكافحة الشغب، وكانت مهام فض المظاهرات، وهي نادرة الحدوث جداً، توكل الى الشرطة العادية، لكن الأمور تطورت كثيرا في هذا العام (١٩٦٨) فقد جرى استحداث الأمن المركزي، واستحداث معهد أمناء الشرطة.

قفزت الى عربة ترام مفتوحة الجانبين، لأتجنب عصي الشرطة، ونجحت في الخروج من ميدان رمسيس من دون إصابات، وفي صباح اليوم التالي واصلنا التظاهر ولكن أمام مدرستنا الثانوية، من دون أن يجبرنا التهديد بالفصل والحرمان من الامتحان على إنهاء المظاهرات، التي أعقبها صدور بيان ٣٠ مارس (آذار) الذي اشتمل على إصلاحات هيكلية للنظام السياسي، مكنت الحكم من إطاحة وجوه اعتبرت مسؤولة عن الهزيمة، بدرجة أو بأخرى، لكنها أبقت على الطابع الشمولي للحكم.

كنت أرى منذ وقت مبكّر أن الهزيمة حررتنا أو ينبغي أن تحررنا من ضغوط الحكم المطلق الذي ينبغي أن يخضع للرقابة الشعبية والمساءلة إن لزم الأمر، وكنت أتصور أن من حق الشعب بعد الهزيمة أن يعرف لماذا يجري اختيار الوزراء ولماذا يتم عزلهم، ولهذا فقد استثار غضبي بشدة اثر صدور قرار بإعفاء وزير التربية والتعليم الدكتور محمد حلمي مراد من منصبه، من دون ابداء الأسباب، حتى أنني ذهبت لأول مرة الى مقر الاتحاد الاشتراكي بشبرا لا لشيء الا للحصول على اجابة عن السؤال: لماذا أقيل حلمي مراد؟ من حقنا أن نعرف!

كنت ساذجاً جداً فأمين الاتحاد الاشتراكي بقسم الساحل الذي أتبعه، لا يعرف السبب، وهو نفسه يعتقد أن ليس من حقه أن يعرف وليس من واجبه أن يسأل، وقد بدا الرجل “مخضوضاً” من إصراري على الحصول على اجابة، فيما حذرني مساعدوه من أن إصراري على التدخل في “أمور السياسة العليا” قد يعرضني لمتاعب لا قِبل لي بها.

كنت قد بدأت للتو أدرك العلاقة بين الاستبداد والهزيمة، وكانت حالة من التمرد الفكري قد وصلت مصر، متأثرة بثورات الشباب في أوروبا، وكذلك بما حدث في فرنسا بصفة خاصة، وقادت شارل ديغول هذا الزعيم التاريخي ذي الكاريزما النادرة، الى الاستقالة، والعودة الى قريته في بلدة كولمبيه ليه دوز ايغليز.

تحت وطأة هذا التمرد الفكري الذي استفاد من الهزيمة لكسب بعض الحريات، امتلك عبد الناصر شجاعة الإقرار بالخطأ، وسعى الى تطوير نظام سياسي داخل حاضنته الذاتية، لكن تداعيات الهزيمة العسكرية وانعكاساتها على المنطقة وعلى مصر كانت أشد قسوة من قدرة أي نظام سياسي مهما كانت شعبيته على الحد منها.

سمحت أجواء ما بعد الهزيمة في يونيو (حزيران) ١٩٦٧، بطرح أسئلة عميقة حول أسبابها، لكن الاجابات التي صاغتها الانتماءات الفكرية، والخلفيات المذهبية، لم تكن أبداً على الدرجة نفسها من عمق الأسئلة، وفي ظني أننا ما زلنا حتى اللحظة، غير قادرين على تبني منهج علمي يحلل الأسباب الحقيقية للهزيمة، بكل التجرد الساعي الى بلوغ الحقيقة ولا شيء سواها.

اليساريون، اعتبروا أن التجربة الناصرية لم تكن ناضجة لمنع الهزيمة، وسمعت بعضهم يعود بالأسباب الى ثورة يوليو (تموز) ١٩٥٢، معتبراً أنها انقلاب قادته البرجوازية، لإجهاض ما يصفه بـ “الحمل الثوري”.

أما الاسلامويون، فاعتبروا أن البعد عن منهج السماء هو سبب الهزيمة، بل ان بعضهم وبينهم الشيخ محمد متولي الشعراوي، سجدوا لله شكراً، أن حلت الهزيمة بمصر وجيشها، حتى يعود المصريون الى منهج السماء!

كلاهما، الماركسيون، والإسلاميون، احتفلوا بـ “اجهاض الإجهاض” باعتبار أن الهزيمة قد أجهضت من أجهضوا بـ “انقلاب” يوليو (تموز) حملاً ثورياً، كاد أن يلد ثورة شيوعية حمراء على ضفاف النيل، أو باعتبار أن الهزيمة قد أجهضت حكماً سعى الى اجهاض مشروع إسلامي وليد تقوده جماعة “الاخوان المسلمين” وأعادت تموضع مصر والمصريين فوق سجادة الصلاة باتجاه القبلة!

وفيما يبدو، فقد كتب المصريون تاريخهم الحديث كله، على أبواب غرفة الولادة، بثورات مبتسرة، أو بحروب غير منتصرة، أو بتجارب نهضوية لا تكتمل، فتراوح التوصيف السياسي لها، بين تعبيرات مثل “الحمل الثوري” و”الإجهاض” و”الولادة المبتسرة”، و”الحاضنات” و”المرضعات” و” سنوات الفطام” الذي كان “قسرياً” مثل كل ما يجري على ضفاف النيل، على مدى قرون بعيدة خلت.

اعتدنا في مصر أن نعيش في دولة “استثنائية” تواجه دوماً مخاطر “استثنائية” وتتعامل معها بإجراءات “استثنائية”، حتى بات تاريخنا في أغلبه، فصولاً استثنائية طويلة، لم نعش خلالها دورة حياة الدولة الطبيعية.

مرت سنة أولى هزيمة، وتبعتها خمس سنوات أخرى قبل أن نشعل حرب تحرير حقيقية كبرى في أكتوبر (تشرين الأول) ١٩٧٣، لكن مقدار التغيير في علاقة المواطن بالسلطة، منذ يونيو (حزيران) ١٩٦٧ وحتى أكتوبر ١٩٧٣ ظل محدوداً للغاية، بل ان توابع الانتصار في أكتوبر بدت في بعض الأحيان أفدح من توابع الهزيمة في يونيو ١٩٦٧، وهذا حديث آخر.

شارك المقال