استيقظت مفزوعاً، على صوت طرقات عنيفة على باب الشقة، واستيقظ صديقي عبد العظيم حماد، الذي كنت أبيت لديه بشقة العزوبية في المعادي، ليلة ٣١ مارس (آذار) ١٩٧٧، وكان علي أن أتوجه صبيحة اليوم التالي الى مقر الاذاعة المصرية القديم بشارع الشريفين، لإجراء المقابلة الشخصية مع رئيس تحرير وكالة “أنباء الشرق الأوسط” الأستاذ محمد عبد الجواد.
انتزعتنا الطرقات العنيفة على باب الشقة، من نوم عميق، فتح عبد العظيم الباب، واذا بصوت امرأة تولول وتصرخ، بينما يسألها عبد العظيم: مالك يا عيشة؟!.. فيه إيه؟! وهي تجيبه باكية مولولة: عبدالحليم حافظ مات!
نهضت من الفراش منزعجاً، وحاولنا تهدئة الشغالة، التي كانت تقوم بالنظافة الأسبوعية للشقة، لكن حزنها كان أكبر من محاولاتنا لتهدئتها.
بالنسبة لي، كنت قد تلقيت صدمة وفاة عبد الحليم حافظ، قبلها بسنوات، كنت في طريق العودة من مدرسة اليازجي الابتدائية، حين مررت ببائع صحف يتحدث عن وفاة عبد الحليم حافظ.
كانت صورة العندليب الأسمر على الصفحة الأولى لجريدة “الأخبار”، في فراشه بمستشفى لندن كلينك، وقد مال رأسه، ونزعت عنه الأجهزة والخراطيم الكثيرة.
عندما وصلت الى المنزل، كان الراديو يبث أغنية “في يوم في شهر في سنة”، من كلمات مرسي جميل عزيز ولحن كمال الطويل، بدت الأغنية لي وكأنما الكاتب كان يملأ قلمه من محبرة الحزن الأسود، بمساحة عريضة من الشجن أتاحها لحن العبقري كمال الطويل، وساهم صوت عبد الحليم وظرفه الشخصي، في جعلها النشيد الوطني للرحيل.
“شايفك وليل الفراق ع البعد فارد جناحه… على جريح مشتاق يعرف نهاية جراحه”.
نعم كان عبد الحليم حافظ يعرف نهاية جراحه، لكن الأخوين مصطفى وعلي أمين، كانا يعرفان كيف يربحان من وراء جراح العندليب الأسمر. نفدت جميع نسخ جريدة “الأخبار” التي تصدر صفحتها الأولى عام ١٩٥٩ خبر وفاة عبد الحليم حافظ وصورته، حتى كان الناس يتداولون النسخة الواحدة في ما بينهم لقراءة التفاصيل والاطلاع على الصور.
في هذا اليوم الكئيب، كانت غرفة الفرن بسطح منزلنا تعج بنسوة يعجن ويخبزن، وبينما كنت أنطوي على ذاتي في ركن قصي من شقتنا في الطابق الثاني، تحت وطأة حزن ثقيل، جاءنا الخبر بنجاة عبد الحليم حافظ، صعدت مهرولاً الى سطح منزلنا بالطابق الثالث، وكنت لم أخلع بعد الزي المدرسي (مريلة تيل نادية بلون الطحينة).
وبينما كنت أنقل لأمي خبر نجاة عبد الحليم من الموت، كانت تعد لي على عجل لقيمات من الخبز الساخن جداً وقد أضيف اليه السمن البلدي وبعض السكر… عادت الي الشهية كما عادت الحياة الى عبد الحليم حافظ.
لم يكن عبد الحليم حافظ مجرد مطرب أو فنان يحبه الناس، لكنه كان صوت التغيير، ثم أصبح الى جانب الشاعر صلاح جاهين والموسيقار كمال الطويل، أكبر ترس في ماكينة الدعاية الناصرية.
مازلت أذكر، قبل عصر التلفزيون، كيف جرى تصوير أغنيته:
“قلنا ح نبني وأدي احنا بنينا السد العالي
يا استعمار بنيناه بإيدينا السد العالي
من أموالنا.. بإيد عمالنا.. هي الكلمة وآدي احنا بنينا”
كانت دور السينما تعرض هذه الأغنية العبقرية التي كتبها بعبقرية الشاعر أحمد شفيق كامل، ولحنها كمال الطويل، وكانت احدى قريباتنا من بيت البحراوي تسكن بشقة تطل على دار سينما حديقة النصر الصيفية، كان لديها شرفة كبيرة نطل منها على الشاشة العملاقة لتلك السينما بينما يتقمص عبد الحليم حافظ دور الزعيم الأعلى شعبية مستأذناً شعبه:
إخواني:
هيه
تسمحوا لي بكلمة
هيه
الحكاية موش حكاية الشعب
حكايتنا احنا
حكاية شعب للزحف المقدس قام وثار
شعب زاحف خطوته تطلع شرار
شعب كافح وانكتب له الإنتصار.
تسمعوا الحكاية؟
كورس: بس قولها من البداية
عبد الحليم: هي حكاية حرب وتار بينا وبين الإستعمار
فاكرين لما الشعب اتغرب جوه في بلده؟
كورس: آه فاكرين
عبد الحليم: والمحتل الغادر ينعم فيها لوحده؟
كورس: مش ناسيين
عبد الحليم: والمشانق للي رايح واللي جاي
ودم أحرارنا اللي راحوا في دنشواي
كورس: آه فاكرين
عبد الحليم: من هنا كانت البداية.. وابتدا الشعب الحكاية
كان كفاحنا بنار جراحنا يكتبه دم الضحايا
كورس: وانتصرنا انتصرنا انتصرنا
عبد الحليم: انتصرنا يوم ما هب الجيش وثار
يوم ما أشعلناها ثورة نور ونار
يوم ما أخرجنا الفساد.. يوم ما حررنا البلاد
يوم ما حققنا الجلاء
كورس: انتصرنا انتصرنا انتصرنا
عبد الحليم: رجعت الأرض الحبيبة الطيبة لايدين صحابها
التقينا العز فيها والكنوز تايهه في ترابها
قلنا نلحق نبني مستقبلها ونرجع شبابها
كورس: نعمل إيه؟
عبد الحليم: كان طبيعي نبص للنيل اللي أرواحنا فى إيديه
ميته في البحر ضايعة والصحارى في شوق إليه
قلنا نبني سد عالي سد عالي سد عالي
بص الاستعمار صعب حالنا عليه.. ليه نرجع مجدنا ونعيده ليه؟
كورس: يعمل إيه؟
عبد الحليم: راح على البنك اللي بيساعد ويدي
قاله حاسب.. قالنا مالكمش عندي
كورس: قلنا إيه؟
عبد الحليم: كانت الصرخة القوية من الميدان في اسكندرية
صرخة أطلقها جمال.. احنا أممنا القنال
كورس: احنا أممنا القنال.. احنا أممنا القنال
عبد الحليم: ضربة كانت من معلم
كورس: خلى الاستعمار يسلم
عبد الحليم: والحصار الاقتصادي
كورس: برضه ما ذلش بلادي
عبد الحليم: جاب سلاحه وطياراته غواصاته ودباباته.. واعتدى علشان نسلم
كورس: هو مين؟ لأ ده بعده.. هو اللي اتلقى وعده
عبد الحليم: كنا نار أكلت جيوشهم.. نار تقول هل من مزيد؟
انتصرنا ولسه عارهم.. ذكرى في تراب بورسعيد
والعروبة في كل دار وقفت معانا
والشعوب الحرة جت على اللي عادانا
كورس: وانتصرنا انتصرنا انتصرنا
عبد الحليم: آدي حكاية الشعب.. شعب للزحف المقدس قام وثار
شعب زاحف خطوته تولع شرار.. شعب حقق له جمال الإنتصار
وانتصرنا انتصرنا انتصرنا
هذه الحدوتة التي تروي قصة السد، هي في الحقيقة تروي صفحة ناصعة من تاريخ هذا الوطن. ما كان يقدر على روايتها وتسويقها أحد بمقدار ما استطاع عبد الحليم حافظ، الذي تحول مع الوقت الى مؤرخ الثورة، ومندوب تسويق أحلامها لدى شعب سعيد بالحلم، وواثق من قدرته على تحقيقه.
وضعتنا أغنية “حكاية شعب” في قلب الحدث، ووضعت تحدي بناء السد العالي داخل كل بيت في مصر، وفي الاحتفال بالعيد الحادي عشر لثورة يوليو (تموز) عام ١٩٦٣، كان عبد الحليم حافظ يعلن مانفيستو الاشتراكية كما كتبه صلاح جاهين، كلاهما ومعهما كمال الطويل كانوا يحلمون بغد عربي أفضل، وبوحدة عربية شاملة، كان جاهين وحليم يحلمان بصناعة كبرى وملاعب خضراء وتماثيل رخام ع الترعة وأوبرا في كل قرية عربية.
جرفت هزيمة يونيو (حزيران) أحلام جاهين وحليم ضمن ما جرفته في طريقها، وبينما كان حليم يغني للنهار في ليل الهزيمة الأسود، مؤكداً: “أبداً بلدنا للنهار.. بتحب موال النهار. لما يعدي في الدروب ويغني قدام كل دار”. فيما كان جاهين يدخل في طور اكتئاب راح يتآكل معه، قطعة قطعة، وبدلاً من حلم جاهين بصناعة كبرى وملاعب خضراء، وتماثيل رخام ع الترعة وأوبرا، حمله الاكتئاب قسراً الى ساحات الهنك والرنك مردداً “الحياة بقى لونها بمبي”.
رد الانتصار في أكتوبر (تشرين الأول) بعض الاعتبار لكل من حليم وجاهين، لكن الموت كان قد أنشب مخالبه في قلبيهما يوم الخامس من يونيو (حزيران) ١٩٦٧.


