منذ قيام الكيان اللبناني في بدايات عشرينيات القرن الماضي، شكل المسلمون السنة أحد أبرز المداميك التي قام عليها لبنان بشكله الحديث القائم على أساس الدولة القطرية، وعلى الرغم من حنينهم الدائم إلى عمقهم العربي والتاريخي، فإنهم استوعبوا المتغيرات وقرأوا باكراً نتائج الحرب العالمية الأولى وتداعياتها، وانخرطوا في بناء الدولة الجديدة.
والسنة في لبنان لم يتقوقعوا يوماً في إطار ضيق كطائفة، بل كانوا على الدوام يتعاطون وبكل تواضع وإنفتاح تعايشي على أنهم جزء من أمة، من منطلق إيمانهم بعروبة لبنان المتنورة، مع التمسك بصيغته الفريدة القائمة على التعدد والتنوع والانفتاح، ضمن نظام سياسي (وإن كان طائفياً!) يضمن خصوصيته الوطنية، ويطمئن جميع مكوناته، مع التطلع الدائم الى ضرورة تطوير نظامه السياسي وحتميته، عندما تتاح الظروف، بهدف الترفع التدريجي من الانتماء الطائفي إلى المواطنة العميقة، وصولاً إلى قيام دولة لا تكون الطائفية السياسية ركيزتها.
الدور المتقدّم الذي لعبته الطائفة السنّية للحفاظ على لبنان الواحد الموحد من خلال التمسّك بسلطة شراكة حقيقيّة لا غبن وحرمان فيها على حساب أحد، ولا غلبة وتسلّط لأحد على أحد، ولا استقواء لأحد بتوازن إقليمي-دولي ضدّ غيره، لم يقتصر على المرحلة التأسيسيّة للبنان، إنّما كان هذا الدور مساراً دائماً ومتجدّداً على الدوام عند كلّ منعطف خطير، يكاد يهدّد وجود لبنان ودوره، بحيث كان زعماء السُنّة وقادتهم ومرجعيتهم الروحية، يساهمون بفاعلية في إعادة إنتاج وتظهير نسخة متجدّدة لصيغته الميثاقيّة، بعد كلّ تصدّع جراء الأزمات العميقة التي كان يمرّ بها، لا سيما تلك الأخطر التي كانت تتّخذ منحى الصراع العسكري.
بدايةً لا بدّ من التذكير بأنّنا لسنا في نظام رئاسي، بل إنّ نظامنا جمهوري برلماني، وعلى الرغم من ذلك فقد مُنح رئيس الجمهورية (الماروني) صلاحيات تنفيذيّة واسعة، عادة ما تكون معطاة لرئيس في نظام رئاسي، مع ضرورة التوقّف عند مسألة أن لبنان هو الدولة العربيّة الوحيدة التي تلتزم بعرفٍ له قوّة دستورية ينصّ على أن يكون رئيس البلاد مسيحيّاً مارونياً، بحيث قبل المسلمون (في مقدمهم السُنّة) أن يشكّل هذا العرف أحد أهمّ الأسس التي قام عليها نظامنا السياسي، وكذلك رسالته إلى العالم العربي، وإلى العالم. ولذلك يمثّل الالتزام بهذا العرف إلتزاماً وطنيّاً لا إلتزاماً سياسيّاً وحسب.
لقد قام لبنان بصورة رئيسية، بعد الاستقلال والتخلص من الاحتلال الفرنسي، على ركيزة أساسية وتفاهم بين المكونات الرئيسية فيه: المسيحيين والمسلمين، وجرى العرف منذ العام 1943 (تاريخ الاستقلال) أن يكون رئيس الجمهورية من المسيحيين الموارنة تحديداً، وأن يكون رئيس المجلس النيابي من الشيعة، وأن يكون رئيس الحكومة (السلطة التنفيذية) من المسلمين السنة.
وفي هذا الاطار، ثمة مطالعة قانونية – سياسية للنائب السابق الفقيه الدستوري الدكتور حسن الرفاعي، نعرض منها: “إنّ رئيس الجمهوريّة كان منذ الاستقلال رئيساً يمتلك صلاحيّات فوق العادة يضمنها له “النّظام الرّئاسي” وحرفيّة المادّتين 17 و53 من دستور ما قبل الطائف اللّتين نصّتا: “تناط السلطة الاجرائيّة برئيس الجمهوريّة وهو يتولّاها بمعاونة الوزراء…” “رئيس الجمهوريّة يعيّن الوزراء ويسمّي منهم رئيساً ويقيلهم… ويولي الموظفين مناصب الدّولة…” في حين أنّ نظامنا منذ وضِعَ أيام الانتداب الفرنسي مستوحى في قسم كبير منه من دستور الجمهوريّة الثالثة الفرنسيّة (1875 – 1940) القائم على النّظام الجمهوري البرلماني بسبب اقتران النصّ بأعراف برلمانيّة غاية في الدّيموقراطيّة. ومن الأمثلة على هذه الأعراف في لبنان منذ سنة 1943، إجراء رئيس الجمهوريّة إستشارات نيابيّة قبل تسمية رئيس الحكومة (استشارات لم يلحظها نصّ من الدّستور) وقيام الرّئيس المكلّف باستشارات نيابيّة، لا يحضرها رئيس الجمهوريّة، من أجل تشكيل حكومته بخلاف المادّة 53 الّتي يقول نصها الحرفي إنّ رئيس الجمهوريّة هو مَنْ يعيّن الوزراء ويسمي منهم رئيساً… ومن هذه الأعراف أيضاً ضرورة أن يقترن مرسوم تعيين وإقالة الوزراء بتوقيع رئيس الحكومة بخلاف نصّ المادّة 54 من الدّستور (الّتي تلحظ توقيع رئيس الجمهوريّة منفرداً) لأنّ كلّ قرارات رئيس الجمهوريّة، غير المسؤول سياسيّاً في النّظام البرلماني، تحتاج إلى توقيع شخص مسؤول هو رئيس الحكومة، والوزير أو الوزراء المختصون، ولأنّ كلّ أفعال هؤلاء تخضع لمراقبة ومساءلة ومحاسبة السلطة التشريعيّة، في حين أنّ لا تبعة على رئيس الجمهوريّة حال قيامه بوظيفته إلّا عند خرقه الدّستور أو في حال الخيانة العظمى (المادّة 60 من الدّستور)…”.
وعلى الرغم من هذا النصّ الدستوري، فإنّ كلّ رؤساء الحكومات الذين كلفوا ما بعد الاستقلال، وهم قامات وطنية ورجال دولة بإمتياز، كانوا يشكّلون الحكومات ويرأسونها بوعي سياسي يجمع ما بين إرادتهم الحرة في التشكيل، والتشاور مع رئيس الجمهورية، احتراماً لمقام الرئاسة الأولى، واضعين المصلحة الوطنية العليا فوق كلّ اعتبار، حرصاً على الشراكة الوطنيّة. وبفعل هذا الأداء الوطنيّ والممارسة المسؤولة لرؤساء الحكومات، تمكّنوا من تجسيد التزامهم بأصول النّظام الجمهوري البرلماني، مع حرصهم على التشاور مع رؤساء الجمهوريّة في عمليّة التأليف، من دون أن يعني ذلك، أنّهم لم يسايروهم في عمليّة توزير بعض الأسماء صاحبة الكفاية أو بعض المقرّبين لرؤساء الجمهوريّة. لذلك، لم يسبق أن اندلعت حرب صلاحيّات ضروس بين رئيس جمهوريّة (غير مسؤول) ورئيس حكومة مسؤول حول عمليّة تشكيل الحكومة وآلياتها، وبالتالي المساءلة والمحاسبة أمام البرلمان.
على الرغم من هذا الرقيّ وهذه الرفعة في تعامل رؤساء الحكومات مع رؤساء الجمهورية، فإنّ الأمانة التاريخية تقتضي التذكير بأنّ عدداً من رؤساء الجمهورية لم يصونوا عهد الشراكة، خصوصاً أولئك الذين سخّروا الجيش، والمكتب الثاني، للإستقواء بهما والاستئثار بالسلطة التنفيذية، المقرونة بالقدرة التأثيرية على أعداد وازنة من النواب، ما جعل رؤساء حكومات يعيشون تحت هاجس إسقاطهم في مجلس النواب، أو استبدالهم من رئيس الجمهورية. وهذا ما جعلهم يدفعون أثماناً سياسية وشعبية، بسبب اتهمامهم بالتساهل والتراخي، حتى صار يطلق على بعضهم لقب “باش كاتب”! من هنا بدأت المطالبة بعقلانية هادئة من الزعامات والقيادات والمرجعيات السُنّيّة، بضرورة تصحيح الخلل الدستوري على قاعدة التوازن والشراكة الوطنيين، بما يكرّس النطام البرلماني الديموقراطي، قاعدة فصل السلطات، وتحديد واضح لصلاحياتها، بما ينسجم مع طبيعة نظامنا السياسي، منعاً للتمادي في ضرب التوازنات الوطنية، الذي من شأنه أن يحرّك العصبيّات، ويغلّب الكراهيّة بين أهل الوطن الواحد، وبالتالي قد يتسّبب في أزمات سياسية، من شأنها زعزعة ركائز الدولة، ما يعرّضها لمخاطر جمّة، خصوصاً وأن جهات خارجية عدة، كانت تسعى لتحويل لبنان إلى ساحة لصراعاتها.
لكن، كلّ هذه المطالبات لم تلقَ أيّ تجاوب من المكون المسيحي، على الرغم من المخاطر التي بدأت تطلّ برأسها على لبنان، تبعاً للتطورات الاقليمية المحيطة ذات التأثير المباشر على الداخل اللبناني من جهة، ومن جهة أخرى تصاعد الحركات الاحتجاجيّة على الصعيدين الوطني والمطلبي، من العديد من الأحزاب والنقابات والمنظمات الطلابية، مدعومة من نُخب فكريّة وعقائديّة.
أمام تعنّت القيادات المسيحية الرافضة للتنازل عن بعض امتيازاتها لصالح المصلحة العليا، وعدم تجاوبها مع نداءات القيادات الاسلاميّة للشروع في عملية تعديل الدستور، ليكون منصفاً لكلّ اللبانيين، وحامياً للميثاقيّة بينهم، وإزاء الغليان الشعبي والسياسي، تهيأت البلاد لما كان يُخشى منه.. فحصل الانفجار الكبير!
يتبع: إتفاق “الطائف”


