لطالما كانت الحياة السياسية اللبنانية تتمتع بحيوية قلّ نظيرها بين الدول المحيطة وتميّزها الأخلاقيات الرفيعة التي كانت تمنع استخدام التعابير والمفردات البعيدة عن الاحترام، ولعلّ أشهر حادثة تسجل في هذا الاطار ما قاله الزعيم الكبير المعلم الشهيد كمال جنبلاط لأحد أنصاره حين تفوّه بكلام غير لائق بحق خصمه اللدود الرئيس الراحل كميل شمعون.
لكن اللياقة والأصول لا يقفان عند حدود الكلمات فحسب، بل يتعديانها ليكونا من خلال التصرفات وفي هذا الاطار فإن تصرفات الساسة في لبنان سواء أكانت علنية أم في المناسبات الخاصة هي دائماً موضع مراقبة من الاعلام وتشكّل في أحيان كثيرة مادة مثيرة للجدل.
وما زيارة رجل الأعمال السيد بهاء الدين الحريري إلا واحدة من هذه التصرفات التي كانت تحت المجهر الأخلاقي ولا شك في أنها جاءت بنتيجة سلبية. فالرجل جاء على ما قال لمتابعة مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وإذا كان هذا حقاً ما يريد القيام به فعليه أولاً أن يتمتع بأخلاقيات الرئيس الشهيد ويتّبعها.
هل يتذكر السيد بهاء أن الشعب رفضه عند لحظة إعلان استشهاد الرئيس؟ وهل يذكر أن الخيار بعدها مباشرة وقع على شقيقه دولة الرئيس سعد الحريري لسبب بسيط هو أنه كان ولا يزال يتميّز بأخلاق ورقي في التعاطي وكرم حاتمي ميّزه بصورة كبيرة عن شقيقه الأكبر؟
وإن ينسى اللبنانيون لن ينسوا كيف تخلّى السيد بهاء وأخوته جميعهم عن شقيقهم سعد عندما واجه أزمات مالية بسبب إصراره على متابعة الطريق الذي خطّه الرئيس الشهيد اجتماعياً وتربوياً وصحياً فتحمّل كل الأعباء من الثروة التي ورثها، فيما كان باقي الأخوة يتبرأون من “دم الصدّيق” وراحوا، وهذا حق لا ينكره أحد عليهم، يتمتعون بما تركه لهم الرئيس الشهيد من ثروات تاركين عبء السياسة ومتاعبها على الشيخ سعد.
ليست المرة الأولى التي يحاول فيها السيد بهاء الدخول على خط السياسة اللبنانية من خلال إنشاء مواقع إعلامية والاستعانة بمن يدعون أنهم خبراء في العلاقات العامة والتسويق، ليحقق فشلاً تمثل في الاستغناء عن هؤلاء الخبراء وإغلاق هذه المواقع وفصل الموظفين الذين كانوا قد طمعوا بالمبالغ الكبيرة التي تقاضوها لقاء الانضمام إلى فريق عمل بهاء، فانتهى بهم الأمر يقاضونه أمام المحاكم لعدم تسديد مستحقاتهم بعد توقيفهم عن العمل.
ألا يحق التساؤل عن سبب فشل خطوات بهاء في الدخول إلى عالم السياسة اللبنانية؟ الجواب بسيط، اللبنانيون لا يقيمون وزناً لمن لا يحافظ على الحد الأدنى من أخلاقيات التعامل مع عائلته، فكيف بالحري مع من يغريهم بالمال ثم ينكث بوعوده؟
سنوات طويلة لم يقم خلالها بهاء بمجرد زيارة لضريح الشهيد الكبير رفيق الحريري لقراءة الفاتحة عن روحه وأرواح رفاقه، فتراه فجأة وخلال سنتين يعود لتلاوة فعل الندامة على الأرجح، لكن في “نفس يعقوب” غاية وراثة ليس الوالد فحسب، بل الشقيق الذي لا يزال يمثل الصورة الحقيقية لمشروع رفيق الحريري، وهو لا يزال على قيد الحياة، فكيف ترى سيقبل الشارع السني تحديداً واللبناني عموماً مثل هذه الخطوة اللاأخلاقية؟
لقد أخطأت يا سيد بهاء، لقد أخطأت سابقاً وتكرر الخطأ نفسه، وأنت أدرى وفي قرارة نفسك أن أموالك لن تفتح لك قلوب الشارع السني وبيوته، ولا الحلبة السياسية التي تطمح للدخول إليها، ويكفي أن تتذكر أن المغفور له بإذن الله الملك عبد الله بن عبد العزيز، وإلى جانبه الزعيم الوطني الكبير وليد بك جنبلاط، كانا قد قررا وأبلغا عائلتك القرار، بأن الخليفة هو الشيخ سعد دون سواه.
لا يحتاج سعد الحريري إلى شهادة مني في سلوك طريق الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لكن عليك يا سيد بهاء أن تكون أكيداً أن الشيخ سعد “علّق” عمله السياسي ولم يتقاعد، وهو الرجل الوحيد القادر على استكمال طريق رفيق الحريري والدليل على ذلك المطالبة الملحة من الفرقاء السياسيين كافة بعودته عن قراره بعدما لمسوا لمس اليد كيف أن الأمور تعقّدت بغيابه، وكيف أن “تعليق” عمله السياسي أوجد فراغاً كان من الصعب جداً على أي فريق “سني” ملؤه، وأنا أكيد أنه سيعود ولن يفسح المجال لك أو لغيرك بأن يقود مشروع رفيق الحريري.


