نحن شعب تتمتع غالبيته بقدرة هائلة على التعايش مع الشقاء، من دون أن تشكو، وحتى من دون أن تدرك أنه شقاء، هذه الطبيعة في المصريين ربما كانت أحد الأسرار المخفية في قدس أقداس تاريخهم، والتي هيأت أسباب الاستمرارية لحكام استبدوا بالمصريين، ولشعب استبد به عشقه لأغلب من استبدوا به.
بعد شهور قليلة من التحاقي بوكالة “أنباء الشرق الأوسط”، تهيأت لي فرصة الالتحاق بمجلة “أكتوبر”، التي كانت قد صدرت بالفعل قبل شهور، لكن الأستاذ أنيس منصور، كان ما زال يدعم فريقه بمن يتوسم فيهم القدرة على تنفيذ أفكاره.
قال لي صديق العمر الأستاذ عبد العظيم حماد ان الأستاذ أنيس منصور طلب من محرريه ترشيح من يتوسمون فيه القدرة على العمل بالقسم الخارجي بالمجلة، وانه يفكر في ترشيحي لهذا العمل، رحبت على الفور، قال لي: اذن .. تعال غداً للقاء الأستاذ أنيس.
سألته: في أي ساعة يأتي عادة؟ ومتى يغادر؟ قال انه يأتي حوالي التاسعة والنصف صباحاً ثم يغادر حوالي الثالثة عصراً، ليعاود الحضور في المساء مجدداً. قلت له: سأحضر اذن بعد الثانية والنصف ظهراً، بعدما أنتهي من دورة العمل الصباحية بديسك الترجمة في وكالة “أنباء الشرق الأوسط”.
كانت دورة الصباح بوكالة “أنباء الشرق الأوسط” تنتهي في الواحدة ظهراً، لكنني لم أكن أريد للقائي الأول مع الأستاذ أنيس أن يكون طويلاً، كنت أخشى من الفشل إن طال زمن اللقاء، ولهذا تعمدت التأخير حتى الثالثة الا الربع حين صعدت الى الطابق الثامن بالمجلة، حيث صالة الديسك الخارجي وبجانبها مكتب رئيس التحرير أنيس منصور. اعتذرت لعبد العظيم عن تأخير اصطنعته، وسارعنا معاً الى التوجه لمكتب أنيس منصور للقائه.
لمكتب أنيس منصور بابان أحدهما يفتح على السكرتارية، والآخر يفتح قرب باب المصعد.
أمام باب المصعد، فوجئت بالأستاذ أنيس منصور خارجاً من مكتبه وبيده حقيبة أوراق في طريقه الى المصعد للمغادرة، هتفت داخلي: يا للتوفيق وحسن الحظ، تقدم عبد العظيم حماد تجاه أنيس منصور، وقال له: هذا هو عبد المنعم مصطفى يا ريس الذي رشحته لسيادتك للعمل بالقسم الخارجي. مد أنيس منصور يده ليصافحني قائلاً: لكن انت جيت متأخر يا عبد المنعم، أنا كما ترى في طريقي للمغادرة، عموماً تعال نجلس لدقائق.
أعاد فتح مكتبه بمفتاح معه، ودخلت خلفه، فيما أشار لعبد العظيم أن يعود الى مكتبه.
سألني أنيس منصور: ماذا تعمل بوكالة أنباء الشرق الأوسط؟ شرحت له طبيعة عملي بالترجمة، سأل مجدداً: انت بتدخن؟!.. أنا لا أدخن، لكن معنديش مشكلة اذا انت مدخن.
قلت له: نعم أنا أدخن. فتح درج مكتبه وأخرج علبة سجائر أجنبية مجهولة الهوية ربما كانت إيطالية أو يونانية من أنواع لم تحملها رياح العولمة الكسيحة آنذاك الى بلادنا، ثم أخرج ولاعة من درج مكتبه، وقدمهما لي قائلاً: اقبل مني الهدية دي، بس ما تدخنش قدامي. حدثني حول توابع زيارة السادات للقدس، ثم فتح مكتبه مجدداً ليخرج مجلة أجنبية يتحدث موضوع الغلاف فيها عن احتمالات السلام بين مصر واسرائيل بعد زيارة السادات للقدس. دفعها فوق سطح مكتبه، ثم سحبها مجدداً ليفتحها على صفحات داخلية تتناول موضوع الغلاف، ثم قال لي: خذ هذا الموضوع اقرأه كويس، ثم أعد كتابته باللغة العربية بالشكل الذي تراه مناسباً. سألته: هل هناك اأسلوب معين للمعالجة تفضله حضرتك؟ أجاب: “أكتبه كما تحب أن تقرأه”. كانت هذه العبارة بالنسبة لي هي الدرس الأول في مدرسة أنيس منصور.
شرعت بالعمل على الفور عقب عودتي الى منزل الأسرة في شبرا، ترجمت الموضوع وأعدت كتابته مرات لا أعرف عددها، في كل مرة لا أشعر بالرضا كقارئ عما كتبته ككاتب، حاولت تملق أنيس منصور بمحاكاة أسلوبه في الكتابة وهو رشيق، وخفيف، وخاطف، لكنني لم أسترح لفكرة المحاكاة لمجرد استرضاء رئيس التحرير. تعبت، وتعبت مني محاولتي المتكررة، فقررت تنحية الأوراق والخلود الى النوم، على أن أشرع في الكتابة فور الاستيقاظ مجدداً ان أراد الله.
استيقظت في السادسة صباحاً وشرعت على الفور في الكتابة، لاحظت وكأنني أنسخ موضوعاً قد جرت كتابته وتخزينه في ذاكرتي أثناء النوم.
منذ هذا الصباح الباكر تأسست عندي عادات الكتابة وطقوسها، فأغلب ما كتبته في حياتي بعد ذلك اليوم، كان بعد الاستيقاظ فجراً، عقب سويعات نوم يعمل رأسي خلالها على انتاج الأفكار وتدبيج العبارات ثم اعادة ترتيبها، وحين أستيقظ تسارع أصابعي الى طباعة ما هو مكتوب في رأسي بالفعل.
حملت إنتاجي الاول الى الأستاذ أنيس منصور، الذي تلقاه باستحسان واضح ودفع به الى سكرتارية التحرير، مدشناً أول ظهور لاسمي في مطبوعة كانت بين الأعلى توزيعاً في مصر.
وتحولت علاقتي بالمجلة من ضيف يزور زملاءه الى عضو بفريق التحرير الذي انتقاه أنيس منصور من بين من عملوا معه في “أخبار اليوم”، و”آخر ساعة” و”الجيل”.
مشواري اليومي الى مجلة “أكتوبر” كانت تتقرر مواعيده بحسب جدول عملي بقسم الترجمة في وكالة “أنباء الشرق الأوسط”، فأذهب الى المجلة ظهراً اذا كنت أعمل بالدورة الصباحية، وأذهب اليها صباحاً ان كان عملي بالوكالة في الدورة المسائية وهكذا.
في كل الأحوال كان يتعين علي أن أقطع المسافة بين الوكالة في شارع الشريفين بمبنى الاذاعة القديم، وبين المجلة على كورنيش النيل بماسبيرو، سيراً على الأقدام، اذ لا وسيلة نقل مباشرة بين الموقعين، بينما ترفض سيارات التاكسي نقلي لأن المشوار صغير والأجرة آنذاك لا تتجاوز ربع جنيه.
كنت أستمتع بهذا اللون من الشقاء وأنا أتنقل في عز حرارة أغسطس (آب) سيراً على الأقدام من الوكالة الى المجلة أو بالعكس. أحببت المشوار، وأحببت صحبة الزملاء فيه، واستعذبت عذاب الطريق، وكنت أضطر في كل مرة عقب الوصول الى المجلة أو الوكالة ظهراً، الى الاغتسال للتخلص من آثار العرق، ورش بعض العطر، وتصفيف الشعر بفرشاة خاصة كنت أحملها مع مزيل رائحة العرق داخل حقيبة أوراق فاخرة ابتعتها بعد التحاقي بالمجلة.


