في مشهد لا ينسى من فيلم “شارع الحب” بطولة عبد الحليم حافظ وصباح، يرفع عبدالسلام النابلسي (حسب الله السادس عشر) كفيه الى السماء مبتهلاً أن يفتح الله أبواب الرزق على فرقته الموسيقية التي عصف بها الجوع وقتلها الفقر، يقول النابلسي: “إبسطها يا باسط”، فتنهمر فوق قبعته النابليونية حلة ملوخية تلقي بها زينات صدقي حنقاً عليه بعدما رفض الزواج منها، حتى يصرخ النابلسي: “بس ما تبسطهاش أكثر من كده!”.
دعوة النابلسي نفسها، “إبسطها يا باسط” توجهت بها الى السماء في ربيع عام ١٩٩٠، كانت الأخبار شحيحة، والأحداث الدولية هي ما تزودنا بمادة المانشيت في أغلب الأحوال، اما لنقص في الأخبار المحلية المسموح بتداولها، واما لصعوبة في الحصول على الخبر المحلي بسبب قيود تخلصت الصحافة من غالبيتها لاحقاً.
طوال أربعة أشهر كنت أفتش كل يوم وسط الأخبار الدولية عن مانشيت، فأجده بصعوبة، بعيد بمادته عن اهتمامات قارئ يتعطش لمعرفة ما يدور في شارعه أو في مدينته أو في الجوار القريب، فلا يجد سوى أخبار مقاتلي الساندينستا في نيكاراغوا، أو مصير بيبي دوك في هاييتي.
في الثاني من أغسطس (آب) ١٩٩٠، سقطت حلة الملوخية فوق رأس الصحافة بفيض منهمر من المانشيتات، كانت كلها من فصيلة الكوارث، ولأن صفحات جريدة يومية واحدة، لم تعد تكفي ولا تحتمل هذا الفيض الغزير من المانشيتات، كان لا بد من تمديد زمن التغطية بإصدار مسائي، يلبي حاجة الناس الى المتابعة الخبرية، قبل عصر الفضائيات. وامتدت ساعات عملنا في الصحيفة الى أكثر من ست عشرة ساعة يومياً، كانت حاجتنا خلالها الى المعرفة والفهم، أكبر بكثير من حاجتنا الى الراحة.
كارثة الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس، كانت هي إشارة البداية لكل ما نعيشه في المنطقة من تحولات درامية دامية، عصفت بالإقليم كله، وما تزال تعصف به حتى اللحظة.
ملوخية زينات صدقي ما زالت منذ أغسطس ١٩٩٠، تواصل الإنهمار فوق رأس منطقة باتساع الشرق الأوسط كله، بينما يستمر عجز النابلسي وفرقة حسب الله السادس عشر، عن إيقاف انهيارها فوق رؤوس الاقليم.
لكن يوم الثاني من أغسطس والأيام التالية كانت أصعب أيام المهنة التي أخذتني إلى مدينة جدة في المملكة العربية السعودية، كانت التقارير التي تحملها وكالات الأنباء تؤكد سقوط الكويت في قبضة العراقيين، بينما يبرم الصديق الراحل سيد الطوخي خصلة من شعره الأسود الغزير حول سبابته، مؤكداً أن القوات العراقية تنظم المرور بميادين العاصمة الكويتية، كل أقداح القهوة التركية، وأكواب الشاي لم تكن كافية لحل معضلة مهنية لا قبل لأحد بالتعامل معها.
لم يكن قد صدر بيان رسمي سعودي عن أحداث الغزو، يسمح لنا بالتعامل المباشر مع الحدث الأكبر في تاريخ الجزيرة العربية منذ قيام المملكة العربية السعودية.
لم نكن نعرف ما الذي يمكننا أن نقوله بشأن هذا الحدث الزلزال، هل نقول الغزو العراقي، أم العدوان العراقي، أم الاجتياح العراقي، أم الاحتلال العراقي؟! كانت كل مفردة من تلك المفردات تحمل في باطنها وبحسب تبعاتها، مضامين أغلبها صادم وأخطرها مرعب.
ثلاثة أيام، بلا موقف، وضعتنا كصحافيين في مأزق حقيقي، لكننا انطلقنا بعد البيان السعودي الأول نخطط للتعامل مع حدث بالغ الضخامة، كان تقديرنا له، أنه ممتد في الزمن، وعميق في الأثر.
مضت المتابعة الصحافية اليومية لأضخم وأهم حدث، منذ سنوات بعيدة، ساخنة وصاخبة، وإن طغى الطابع التعبوي، الدعائي على لغة الاعلام، وهذا مفهوم ومبرر في دولة اختارت المواجهة، وقررت أن تخوض الحرب من أجل استعادة الكويت من قبضة صدام حسين الذي لم يخفِ أطماعه بالسعودية وثرواتها.
التركيز على متابعة أخبار بناء أضخم تحالف عسكري منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان أبرز سمات مرحلة الاستعداد لمعركة التحرير، ولا زلت أذكر مقولة لجنرال أميركي كان يستعجل خطى المصريين لإعلان موقفهم من التحالف الجاري تشكيله، لا اذكر اسمه للأسف، قال: “اننا نتطلع الى أن تشارك مصر في هذا التحالف ولو بأحذية جنود”.. الى هذا الحد كانت المشاركة المصرية في تحالف عسكري لتحرير الكويت حيوية ليس لإنجاز المهمة فحسب، وانما لتوفير غطاء عربي للحضور العسكري الأميركي-البريطاني – الغربي غير المسبوق فوق الأراضي السعودية.
وجاءت المشاركة العسكرية المصرية بأكثر من خمسة وثلاثين ألف جندي بعتادهم وتسليحهم، لتحسم أي جدال حول الالتزام المصري بأمن الخليج.
الطور الثاني من أطوار التغطية الصحافية لما بعد الغزو العراقي للكويت، بدأ مع تصاعد الاستعدادات لانطلاق العمليات العسكرية لتحرير الكويت.
كانت الأجواء العامة في السعودية مشحونة بمخاوف من غارات صاروخية عراقية قد تستهدف المدن الرئيسية السعودية بالأسلحة الكيماوية، ما استدعى انشغال الناس بتأمين منازلهم ضد مثل هذه الغارات.
كانت تعليمات الدفاع المدني تستحث الناس على تغطية أجهزة التكييف بالبلاستيك وبتحضير غرفة في كل منزل يجري تحصينها ضد تسرب الغازات الكيماوية المُحتملة، وتزويدها بمخزون من مياه الشرب والمواد الغذائية الكافية لمواجهة الطوارئ.
قمت بتجهيز غرفة في منزلي تحسباً للغارات الصاروخية العراقية، لكنني كنت على يقين أن شيئاً مما يحذروننا منه لن يحدث، فقط أردت أن يطمئن أطفالي الى أنهم بمأمن من الخطر.
لم تكن السعودية راغبة في الذهاب الى الحرب، كان ثمة وعي لدى الأسرة الحاكمة بمخاطر ما بعد الحرب، هذا الوعي استدعى بدوره بذل مساع لنزع فتيل الأزمة، كان من بينها، حديث أدلى به الأمير سلطان بن عبد العزيز رحمه الله، للصحافة، دعا فيه الى تسوية تنزع فتيل الأزمة، مشيراً الى أن كلاً من العراق والكويت شقيقان، عليهما أن يتجنبا صراعاً دموياً بينهما، بتبني حلول وسط بشأن حقل بترول الرميلة المتنازع عليه.
تصريحات الأمير سلطان أثارت ردود فعل دولية واسعة، فعجلة الحرب كانت قد دارت، ولم يكن ممكناً ايقافها بسهولة، حتى حارت الصحافة المحلية في نشر تصريحات وزير الدفاع، فالاحتفاء بنشرها في الصفحة الأولى قد يحمل إشارات سلبية باتجاه الحلفاء الذين تجشموا مشقة الحضور العسكري من أجل “طرد العراقيين من الكويت”، لكن تجاهل الصحف المحلية نشر هذه التصريحات أيضاً محفوف بالمخاطر، بالنسبة الينا في صحيفة “عكاظ” نشرنا الخبر ولكن في منتصف الصفحة الرابعة.
قبل ساعات من اندلاع العمليات العسكرية لتحرير الكويت، كنت في الصحيفة أتابع الطبعة الثالثة والأخيرة حتى الواحدة والنصف صباحاً، كنت أستطيع أن أشم رائحة البارود، بحاسة الصحافي، تحدثت هاتفياً مع رئيس التحرير وأبلغته بما عندي، قلت له ان الحرب قد تندلع خلال دقائق أو سويعات، وان جريدتنا ستظهر في الأسواق صباحاً بمانشيتات قد تصبح قديمة اذا ما اندلعت الحرب، وإنني أريد أن أقترح عليه صيغة حل وسط لمانشيت مفتوح على احتمالات الحرب، وعرضت عليه إعداد أكثر من صيغة لمانشيت عن الحرب يختار هو من بينها، وبعد دقائق كنت اقرأ عليه خيارات عدة لمانشيتات قمت بصياغتها.. كان تجاوبه رائعاً، اذ التقط الخيط وراح يتداول معي في بناء صيغة مأمونة للمانشيت تتيح سد الفجوة الإخبارية حتى اندلاع الحرب بالفعل، وكانت الصيغة هي: مانشيت أحمر من كلمة واحدة على ثمانية أعمدة “الحرب” يسبقه عنوان تمهيدي على ثمانية أعمدة يشير الى اكتمال الاستعدادات.
أرسلت الصفحة الأولى الى المطبعة، وغادرت الجريدة الى منزلي، في طريق العودة كنت وحيداً في الشارع، وحين أدرت المفتاح لأدخل شقتي، كان السكون التام يخيم على المكان لا تقطعه سوى أنفاس أطفالي داخل الغرفة المحصنة ضد غارات صدام المُحتملة!
فضّلت أن أتمدد على أريكة في الصالة بجوار مذياع كنت قد ضبطته على راديو “صوت أميركا”، لم أكد أسند رأسي قرب المذياع حتى جاءني صوت مذيع النشرة الأميركية، قائلاً: “أعلن مارلين فيتزووتر المتحدث باسم البيت الابيض أن عمليات عسكرية لطرد العراق من الكويت قد بدأت قبل دقائق”.
ارتديت ثيابي على عجل وهرولت عائداً الى الجريدة، واتصلت مجدداً برئيس التحرير لأخبره أن الحرب قد وقعت بالفعل، سألني: أين أنت الآن؟ أجبته في مكتبي بالجريدة. أجاب: ممتاز، انتظر أنا في الطريق إليك.
لم تكن المنطقة قد عرفت القنوات الفضائية بعد، ولا كان الاعلام الالكتروني معروفاً آنذاك، ولهذا اقترحت على رئيس التحرير، إصدار صحيفة تابلويد مسائية تشبع نهم الناس لمتابعة أخبار الحرب، وقد كان، فخلال ٧٢ ساعة كنا قد أنجزنا مخطط صحيفة تابلويد ألوان مسائية تحمل اسم “الحدث”. لقد قررنا استثمار ملوخية زينات صدقي التي أغرقت قبعة نابليونية اعتمرها حسب الله السادس عشر ذات يوم، واستثمرناها.






يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.