مشكلة ياسر عرفات في ثمانينيات القرن الماضي أنه وصل الى مرحلة ظنّ فيها أنه يمسك بلعبة الحرب والسلام في المنطقة انطلاقاً من لبنان، ومشكلة “حزب الله” الآن أنه وصل الى مرحلة يظن فيها أنه يمسك باللعبة عينها بطريقة لا مجال للخطأ فيها ولا لأي مغامرات متهورة قد تقلب الأمور رأساً على عقب.
ما لم يعرفه “أبو عمار” في ذلك الوقت أنه تجاوز الحجم المسموح به عربياً واقليمياً ودولياً، وأنه نصّب نفسه عرّاب معظم القوى اليسارية والتحررية والارهابية في العالم، وأبرزها “الجيش الأحمر الياباني” ومنظمة “بادر ماينهوف” الألمانية، و”الألوية الحمر” الايطالية، و”حزب العمال الكردستاني”، و”الجيش السري الأرمني”، الى جانب خلايا فلسطينية نائمة كان يرهب بها عدداً من الأنظمة الغربية والعربية، وتحديداً الأنظمة الخليجية.
لكن أكثر ما راكم العمل للتخلص من عرفات و”دولته” اللبنانية، أنه بات يدير كياناً سنياً لا يريده النظام العلوي في سوريا وكياناً فلسطينياً مستقلاً لا تريده اسرائيل فكان لا بد من التخلص منه.
الفرصة جاءت عندما أطلق فلسطيني النار وأصاب السفير الاسرائيلي في لندن شلومو ارغوف برصاصة رفعت “الشوادر” عن الدبابات الاسرائيلية المموهة ودفعتها في اتجاه لبنان.
السيناريو عينه، يستنسخه “حزب الله” للمرة الثانية، بعدما تحوّل باسم طهران، الى عرّاب للكثير من المنظمات والتيارات التي تقلق الشرق والغرب معاً، وأبرزها حركة “حماس” في غزة و”الحشد الشعبي” في العراق والحوثيون في اليمن، اضافة الى “الجماعة الاسلامية” و”الاخوان المسلمين” وميليشيات شيعية أفغانية وباكستانية، والرابط العضوي واللصيق مع “الحرس الثوري” الايراني، والخلايا الشيعية النائمة في إفريقيا وأوروبا والأميركيتين.
وعلى غرار عرفات تحوّل “حزب الله” الى رأس مطلوب لسببين أساسيين: الأول أنه في صدد اقامة جمهورية شيعية على سواحل البحر المتوسط وعلى حدود سوريا ذات الغالبية السنية وهو أمر لا يستسيغه العرب السنة، والثاني أنه في صدد نقل الحدود الايرانية الى شمال اسرائيل بعدما نقلتها “حماس” الى جنوبها.
وهنا لا بد من السؤال: هل وقع “حزب الله” في الخطأ المنتظر، أي ما جرى في مجدل شمس، هو عملياً الخطأ الثاني الذي قد يجر به لبنان الى حرب مدمرة بعد خطأ العام ٢٠٠٦؟
الجواب نعم، لكن ليس الى الحد الذي وصلت اليه حربا العامين ١٩٨٢ و٢٠٠٦ وذلك لثلاثة أسباب رئيسة: الأول أن اسرائيل ليست في وضع دولي مريح يمنحها غطاء كافياً لشن عملية تشبه ما فعلته في العام ١٩٨٢، والثاني أن الادارة الأميركية ليست ادارة حرب يديرها يمينيون متشددون، والثالث أن بنيامين نتنياهو الذي تأخر كثيراً في حسم معركته مع يحيى السنوار، لا يبدو واثقاً من حصيلة أفضل في معركته مع حسن نصر الله.
لكن مصادر قريبة من المنظومة العسكرية الاسرائيلية تكشف أن الرد على مجزرة مجدل شمس سيأتي لا محالة فور الاتفاق على حجمه أولاً واستشراف تداعياته المحتملة ثانياً، مؤكدة أن الرد لن يكون حرباً شاملة، الا اذا أرادت ايران ذلك، ولن يكون حرباً شكلية أيضاً.
وأشارت الى أن اسرائيل تبحث الآن عما يمكن أن يوجع “حزب الله” لا أن يقتله، وعما يمكن أن يرضيها لا عما يخيّبها، مؤكدة أن معركة الحسم لم يحن وقتها بعد، لكنها آتية بالتأكيد.
وليس سراً أن النفي الممانع الذي أعقب مجزرة مجدل شمس، يؤكد أن “حزب الله” أدرك سريعاً أنه ارتكب الخطأ المنتظر الذي قد يجره مع ايران الى الحرب التي لا يريدانها شاملة، وهو النفي الذي لم يتلقفه أحد خصوصاً أن منطقة الجولان تلقت في الأسابيع الماضية قصفاً صاروخياً متقطعاً انطلاقاً من لبنان في اطار العمل لتوسيع الجبهات وتخفيف الضغط عن حركة “حماس” في غزة.
وليس سراً أيضاً، أن البيان الذي أصدرته الحكومة اللبنانية مطالبة بوقف القتال على كل الجبهات ومدينةً مقتل المدنيين في كل مكان، لم يكن الا مبادرة غير مباشرة من نصر الله لوقف اطلاق النار من جهة، والحؤول دون رد اسرائيلي شامل، وأن الموقف الذي اتخذه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط جاء أيضاً بطلب من نصر الله لتهدئة الدروز في الجولان من جهة وحملهم من جهة ثانية على رفض أي عمليات انتقامية اسرائيلية.
لكن اللافت في الموقف اللبناني جاء في الاعلان عن موافقة نصر الله على التراجع الى ما وراء الليطاني، اذا وافقت تل أبيب على وقف الخروق والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وليس وقف اطلاق النار في غزة، وهو ما اعتبره المراقبون انقلاباً كاملاً على الشروط التي استند اليها الرجل لدخول الحرب في “٨ أكتوبر”.
وأكثر من ذلك، لم تكن السرعة التي ميّزت موقف ايران من مغبة أي حرب في لبنان، الا محاولة من نصر الله لحشد كل أنواع الضغوط المحلية والاقليمية لافهام نتنياهو أن أي عملية تتجاوز الحد الانتقامي المعقول سيقود الى حرب شاملة، وأن أي محاولة للقضاء على “حزب الله” لن تمر في الحسابات الايرانية كما يمكن أن يمر القضاء على “حماس”.
وهنا لا بد من سؤال جوهري: هل وحده “حزب الله” الذي خيّر اسرائيل بين قبول المبادرة والذهاب الى الميدان، من يرفض الحرب الشاملة؟ الجواب طبعاً لا، اذ تبدو اسرائيل أكثر حرصاً على تجنب مثل هذه الحرب، خصوصاً أن القتال في غزة لم ينته بعد، وأن الضوء الأخضر الأميركي المطلوب لمثل هذا الأمر لم يصل الى حدود اطلاق اليد بلا سقوف، ولا الى وضع يقنع أميركا، عشية انتخابات رئاسية حساسة، بالتورط في حرب شاملة مع ايران وحلفائها.
مصادر قريبة من الرئيس جو بايدن وحملة نائبته كامالا هاريس، تهمس في كواليسها أن ما فعله “حزب الله” في مجدل شمس قلّل من فرص الفوز لدى كامالا هاريس، مشيرة الى أن الديموقراطيين كانوا يخططون للوصول الى البيت الأبيض معتمدين على انجاز اقليمي يقوم على أمرين: وقف القتال في غزة واستعادة الرهائن الأميركيين.
ما جرى في الجولان، لم يكن خطأ عسكرياً وحسب، بل خطأ سياسي أيضاً عزّز فرص دونالد ترامب وأسهم في تعزيز فرص نتنياهو للبقاء في السلطة الفترة التي يحتاج اليها لانهاء حربه مع حلفاء ايران في فلسطين ولبنان، اضافة الى أنه أخرج هاريس من سياسة التوازن التي افتتحت بها حملتها، الى سياسة الدعم المطلق لاسرائيل.
وسط هذا الجو، لا بد من سؤال أخير: اذا كان ما جرى في الجولان خطأ ارتكبه “حزب الله” وتجاوز به الخطوط الحمر فهل يكون رد اسرائيل خطأ أسوأ أم خياراً أوحد يقود اما الى السلام النهائي واما الى حرب المئة عام؟
الجواب حتى الآن أن المرحلة لا تحتمل أي تراجعات من أي نوع ولا تحمل من الأسباب الا ما يمكن أن يجعلها حرباً لا مفر منها حتى لو رفضها المتحاربون.


