هنية وشكر والضيف… كمشهد ختامي لزلزال 7 أكتوبر!

عبير بشير

بقطع الرأس السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية، في قلب العاصمة الايرانية، وفي مخدع الحرس الثوري، وهو الذي حلّ على طهران كضيف كبير عشية تنصيب الرئيس الايراني الجديد مسعود بزشكيان، وقبله بساعات، بتر الذراع العسكرية لحسن نصر الله، ورئيس أركانه فؤاد شكر، في عقر دار “حزب الله” في الضاحية الجنوبية لبيروت، تكون تل أبيب بالمكان والزمان، وحجم الشخصيات، قد وضعت اصبعها في عين إيران، ووجهت صفعة الى كبريائها وكرامتها، بحيث أصبح رد طهران حتمياً، ويرتقي إلى مرتبة الضرورة الاستراتيجيّة الوجودية للنظام الايراني.

وبذلك يستدعي بنيامين نتنياهو من إيران رداً عنيفاً وواسعاً يوازي حدثي الزلزالين، ومشرّعاً الأبواب نحو حريق إقليمي، يورط فيه واشنطن مرغمة، وهي على بعد أمتار من السباق الرئاسي نحو البيت الأبيض، ويجرها إلى حرب تحت عنوان دولي براق “حرب الحضارات”، كما وصفها نتنياهو في خطابه الأخير، أمام الكونغرس الأميركي.

وهناك من له رأي آخر، وهو أن مشهد التصفية لشخصيتين بهذا الحجم – هنية وشكر – وفي هذا المكان والزمان، والنجاح العملياتي والاستخباري الذي سجلته إسرائيل مؤخراً في عمليتي الاغتيال، كانجاز لها في أرجاء الشرق الأوسط، ونجاح اغتيال محمد الضيف رئيس أركان الجهاز العسكري لحركة “حماس”، الذي تمت تصفيته في خان يونس، وأكد الجيش الاسرائيلي مقتله منذ يومين، تصلح لأن تكون كمشهد ختامي، لمسلسل زلزال السابع من أكتوبر، والفشل العسكري، والسياسي الأكثر خطورة في تاريخ الدولة العبرية، ووعود نتنياهو بالنصر المطلق على حركة “حماس”.

نتنياهو يركب هنا على ظهر مشاعر عامة وصلبة يصعب اختراقها. ففي المناخ الاسرائيلي بعد 7 أكتوبر ليس هناك أي معارض يمكنه أن يحتج على تصفية هنية وشكر، حتى لو زاد ذلك من خطر اشتعال حرب إقليمية، وحتى لو لم تكن على خلفية مذبحة مجدل شمس. فتصفية شكر وهنية، تجدد لدى معظم الاسرائيليين الشعور القوي بأن المبادرة عادت إليهم، وأنها تعيد بطريقة ما كبرياء إسرائيل، وقوة الردع المتآكلة في الاقليم، بعد زلزال السابع من أكتوبر.

كما أن عملية البتر العنيفة، هي جزء من ذاكرة ميونيخ، وجزء من مسيرة الشفاء الاجتماعي الاسرائيلي، فالمجتمع الاسرائيلي، ينظر إلى قادة “حماس” وإسماعيل هنية، الذين ارتكبوا ما يسمونه بمذبحة السابع من أكتوبر، بالطريقة نفسها التي نظروا بها إلى مسلّحي أيلول الأسود الذين ارتكبوا مذبحة ميونيخ في الألعاب الأولمبية عام 1972. في ذلك الوقت، كان قتل الأمير الأحمر، علي حسن سلامة، ضرورياً للانتقام، وحاجة ماسة “للشفاء الاجتماعي”.

وفي هذا الاطار، كتب أوري مسغاف في صحيفة “هآرتس”: “من جهة مدهش، من جهة أخرى مخيف جداً، من جهة ثالثة الويل للمخطوفين، فعمليات الاغتيال الهوليوودية لشخصيات رفيعة من كل الأنواع، يمكن أن تدغدغ الحاجة إلى الانتقام الشخصي، هذه ثلاثة وجوه لقطعة النقد نفسها بالضبط. فالمدهش، هو عمليات التصفية في بيروت وطهران، والمخيف، هو أن تتسب في حرب شاملة مع إيران وامتداداتها في لبنان وفي كل المنطقة، أما الويل للمخطوفين، فلأنها بالتأكيد ستحسم مصير المخطوفين القلائل الذين ما زالوا على قيد الحياة بعد عشرة أشهر في أنفاق غزة”.

وتستعد الدولة العبرية لضربة كبيرة وقوية، تشنها إيران وأذرعها في المنطقة، وكشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن خطة إيران لتحدي الأنظمة الدفاعية لاسرائيل والولايات المتحدة، وأوضحت أن “إيران تخطط لضربة بمقدار 360 درجة على إسرائيل، بمعنى أن الايرانيين سيحاولون تحدي الأنظمة الدفاعية لها، وسيحاولون القيام بضربة عليها بالتزامن مع محور لبنان، ومحور اليمن، ومهاجمة إسرائيل من اتجاهات عدة، أي من 360 درجة، من دون الدخول في حرب شاملة”. ورجحت الصحيفة أن يشارك “حزب الله” في الضربة، التي سيوجهها “المحور” إلى إسرائيل، ولكن ليس بكامل قوته وليس خارج شمالي إسرائيل. كما ذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، أنّ المراكز الحيوية الاسرائيلية في مدينة حيفا تترقّب بقلق انتقام “حزب الله” لاغتيال فؤاد شكر.

تصفية شكر كانت رداً إسرائيلياً مباشراً وعلنياً على موت 12 فتى وطفلاً في مجدل شمس في هضبة الجولان، نتيجة ما قيل انه صاروخ أطلقه “حزب الله”، وعملية التصفية المركزة في الضاحية تدخل الحزب في ورطة بخصوص قوة الرد المطلوبة، إذا كان يريد المس بإسرائيل وفي الوقت نفسه تجنب الحرب الشاملة.

حسن نصر الله قام بتدشين معركة “إسناد غزة” في جنوب لبنان، منذ أشهر، من دون الخوف من الانزلاق إلى حرب على جبهة لبنان، على أساس فرضية أن إسرائيل لا تريد أو لا تستطيع إدارة حرب على جبهتين. لكن الآن الوضع مختلف تماماً، فقرار تصفية شكر في قلب بيروت وهنية في قلب طهران، يدل ليس على استعراض القوة الاستخبارية والعملياتية لاسرائيل وحسب، بل على قرار استراتيجي لإظهار الاستعداد لشن حرب شاملة.

شارك المقال