لا أكاد أصدق أن السيدة حسينة واجد رئيسة وزراء بنغلاديش التي فرت من داكا باحثة عن ملاذ آمن في نيودلهي، كانت ديكتاتورة ومستبدة كما يقول عنها خصومها، فقد التقيت بها في ملاذها الآمن بنيودلهي قبل أكثر من أربعين عاماً، كانت أكثر من بسيطة ومتواضعة.
كانت رئيسة الحكومة الهندية إنديرا غاندي، قد منحت ابنة الشيخ مجيب الرحمن مؤسس دولة بنغلاديش، حق اللجوء السياسي، وهيأت لها مسكناً متواضعاً يشبه المساكن الشعبية في زمن عبد الناصر، بينما وفرت لزوجها وهو عالم فيزياء وظيفة لائقة في إحدى المحطات النووية الهندية.
رتبت موعد اللقاء مع رئيسة الحكومة المخلوعة، بمعرفة صحافي بنغالي صديق، كان يطمع بأن يسهم ما أكتبه عنها في تحسين فرص عودتها الى بلادها.
وصلت الى مجمع بنايات يشبه المساكن الشعبية في مصر، تتوسطه حديقة جرداء من كل شيء، فيها طاولة مستديرة فقيرة ومقعدان يشغلهما رجلا شرطة أحدهما برتبة ضابط صغير. اصطحبني الجندي الى العمارة التي تقيم فيها الشيخة حسينة واجد، وصعد معي سلماً تآكلت عتباته وصولاً الى باب شقة فقير أطلت منه إمرأة ترتدي سارياً هندياً أسود منقوشاً بألوان فضية وبيضاء، ظننتها في البداية عاملة منزلية أو مديرة منزل على الأكثر، لكنها مسحت كفيها في ثوبها، قبل أن تصافحني ببساطة وود، داعية إياي الى الدخول، وقادتني الى أريكة تطل على طاولة مكتظة بصحون المخبوزات المتنوعة، أقسمت أنها من صنع يدها، وألحت علي لأتذوق بعضها، ثم جلست قبالتي وقد لاحظت اندهاشي لفرط بساطة المكان الذي تعيش فيه رئيسة الوزراء المخلوعة.
كان الحديث معها في مستوى بساطة المكان وصاحبته، وكان الصراع السياسي في بنغلاديش عند المستوى نفسه من البساطة، فابنة الشيخ مجيب الرحمن أول رئيس حكومة لبنغلاديش، تخوض صراعاً مع أرملة الجنرال ضياء الرحمن الذي انقلب عليها قبل أن يرحل لتحل محله أرملته خالدة ضياء.
طرفا الصراع البنغالي – البنغالي، الآن هما هما منذ قرابة نصف قرن إبنة رئيس الحكومة ومؤسس الدولة في مواجهة أرملة أول جنرال يقود انقلاباً في بنغلاديش.
كان السؤال يحيّرني دائماً، لماذا تهيمن نساء الأسر الحاكمة في شبه القارة الهندية على الحكم في دولها (الهند – سريلانكا – باكستان – بنغلاديش)؟! لماذا يصوّت الناخبون الرجال لصالح حاكمات من النساء، أغلبهن محدودات الخبرة والمعرفة السياسية أو الادارية؟!
لعل هذا السؤال يحتاج إلى مبحث لاحق.


