الادارة الأوبامية وصناعة النكبة السورية!

عبير بشير
الحرب السورية

في خطابه الوداعي أمام الأمم المتحدة، تحدث الرئيس الأميركي باراك أوباما عن الأزمة السورية بكل أسف قائلاً: “الوضع في سوريا سيبقى هاجساً يلاحقني، لمعرفتي بأن مئات آلاف السوريين قتلوا والملايين نزحوا، وكل ذلك يحملني دائماً على التساؤل عما إذا كان في وسع إدارتي أن تفعل شيئاً في صورة مغايرة عما فعلناه خلال السنوات الست لحل هذه الأزمة!”.

من استمع الى هذا الكلام، كان سيظن أن المتحدث هو رئيس الصليب الأحمر الدولي، وليس رئيس الولايات المتحدة الأميركية.

لذلك يحتاج كلام أوباما الأخير، والمسار الذي سلكته إدارته تجاه الأزمة السورية، إلى قراءه مختلفة لا تقف حدودها عند وصف المحللين لأوباما بالمتردد والضعيف في اتخاذ القرارات المصيرية، خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بالتدخل العسكري المباشر.

بل على العكس تماماً فقد كان أوباما يدرك جيداً ما يقوم به، ولعب الخبث الأوبامي الذي هو جزء من خبث الامبراطورية الأميركية دوراً محورياً في النكبة السورية لا يقل عن دور النظام ودور المعارضات السورية، وإن كنا لا ندري مدى دقة المعلومات التي تفيد بأن أوباما كان يلعب بـ “الأيباد”، ويتلهى بقراءة حسابه الشخصي على “الفيسبوك” في جلسات مخصصة لمناقشة الأزمة السورية تتم داخل أروقة إدارته، ولكن في كل الأحوال فإن مثل هذه التسريبات، تأتي في سياق تفسير التواطؤ الأميركي ضد الثورة السورية منذ بداياتها الجنينية.

فقد كان واضحاً منذ اليوم الأول للثورة، أن الولايات المتحدة لا تريد لهذه الثورة النجاح، وتحقيق أهدافها من دون الغرق في مستنقع الخراب الشامل، وأن لا يتم فيها الحسم لصالح أي طرف من الأطراف، بحيث رفضت الادارة الأميركية التدخل في سوريا حتى من باب تقديم أسلحة نوعية للثوار أو السماح لدول أخرى بتلك المهمة.

وكانت الولايات المتحدة أول من ردد معزوفة التنظيمات الجهادية والخشية من أن يقع السلاح بيدها، حتى قبل أن يكون لتلك الجماعات وجود منظم على الأرض أو أن تتم عسكرة الثورة على نطاق واسع.

وبالطبع لن ننسى الكلام الأميركي المتكرر بأن المعارضة السورية السياسية غير موحدة وكذلك التشكيلات العسكرية، وما دأبت وزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلينتون على ترديده أن الادارة الأميركية تريد أن تعرف مع أي طرف تتحاور ولمن ستسلم السلاح، في إشارة منها إلى أن المعارضة مفككة، وعليها أن تتوحد قبل أن يتم بت موضوع تسليحها.

ولكن العلامة الفارقة، هي أن حصافة هذا المنطق تتنافى كلياً، مع ما أقدمت عليه الأطراف الدولية وحلف الناتو من ضرب النظام الليبي، بعيد أيام من اندلاع الثورة، بمباركة الولايات المتحدة، ومن سماح الادارة الأميركية بتسليم الثوار الليبيين أسلحة نوعية منذ البداية، بحيث أنه لم يكن للمبررات والهواجس الأمنية المشروعة أي وزن لدى صنّاع القرار في واشنطن.

فلم يطلب من الثوار – الذين أتوا من مختلف مناطق ليبيا وعشائرها وقبائلها – التوحد قبل تقديم الدعم العسكري لهم، ولم تتساءل واشنطن وحلفاؤها عمن سيخلف نظام القذافي وعن ماهية الجماعة السياسية والعسكرية التي تستطيع ضبط الأوضاع على الأرض في مجتمع عشائري غير متجانس وفي بلد مترامي الأطراف مثل ليبيا!

ولم يتوقف المجتمع الدولي طويلاً عند مصير الترسانة الصاروخية ومضادات الدبابات والطائرات ومستودعات الأسلحة والذخيرة للنظام الليبي بعد سقوطه، ولم تخشَ واشنطن وصول تلك الأسلحة إلى أيدي مجموعات إرهابية سواء داخل ليبيا أم خارجها عبر تجار السلاح وهذا ما حدث بالفعل -، ولم تتساءل عن مستقبل التشكيلات العسكرية التي تحارب نظام القذافي وكيف سيتم دمجها والتعامل معها، وأخيراً لم تخف واشنطن من أن سقوط النظام الليبي سيجعل من ليببا مسرحاً خصباً لتنظيم “القاعدة” – عدوها الأول – الذي ينتشر في شمال إفريقيا مع وجود وفرة وجودة في السلاح، لأنه ببساطة شديدة كان هناك توجه أميركي ومصلحة أوروبية مباشرة في إسقاط القذافي، ولكن في الحالة السورية، لم يكن الأمر كذلك فهي دولة على تخوم إسرائيل.

وفي هذا السياق، يتحدث مدير المخابرات الأميركية، بـ “أننا لم نكن يوماً بعيدين عن الأزمة السورية، بل انخرطنا منذ اليوم الأول في عملية فرز السلاح القادم من جهات مختلفة، وكنا الجهة الوحيدة التي تقرر لمن سنسلم السلاح وأية نوعية من الأسلحة يجوز الحصول عليها”.

ونعتقد أن الموقف الأميركي من الأزمة السورية مرّ بثلاث مراحل مفصلية: المرحلة الأولى أو المرحلة المبكرة، بدأت قبيل اندلاع الثورة السورية، وعقب سقوط حسني مبارك، حيث تم عقد اجتماعات – تقييم موقف – لأركان الادارة الأميركية، وتناولت الاجتماعات موقف الادارة في حال تكرار سيناريو الثورة نفسه في سوريا، وكان القرار الذي اتخذ من عدد كبير من المشاركين، وخصوصاً من أنصار اللوبي الصهيوني: لن نتدخل، ولن نحاول إسقاط نظام الأسد، لأن بقاء الأسد في السلطة يمثل مصلحة استراتيجية لأميركا وأمن إسرائيل، ولكننا في كل حال سنرحب بأي حراك من شأنه خلخلة النظام السوري واستنزافه.

في المقابل، كان هناك تيار في الادارة يحاول أن يقول إن هناك فرصة تاريخية لضرب الحلقة الأضعف وهي سوريا وإخراجها من معادلة الصراع مع إيران، ولكن على ما يبدو أن الرئيس باراك أوباما كان يميل بقوة إلى الخيار الأول، وعزز ذلك فوبيا التدخل العسكري الذي يسيطر على أوباما، لذلك فإن الولايات المتحدة دفنت رأسها في الرمل عند بداية الثورة وفي أشهرها الأولى، ولم تصدر عنها مواقف حازمة، ثم ركبت العربة الخلفية لقطار الحل الدولي، ولم تحاول قيادة القاطرة، حتى مشاركتها في مجموعات أصدقاء الشعب السوري، والمؤتمرات الداعمة للثورة السورية، وحتى التصريحات المنددة بجرائم النظام وأحياناً المطالبة برحيله، كانت من باب مسايرة الثورة والضغوط الدولية والعربية،. ثم كانت المرحلة الثانية، حيث بدأت طلائع فيلق القدس الايراني بالقدوم إلى سوريا، وبدأ رجال الاستخبارات الايرانيون والخبراء العسكريون بالتوافد الى دمشق، وكانت هناك معلومات استخباراتية مؤكدة عن تدفق قوافل الإمدادات العسكرية والاقتصادية من طهران إلى دمشق.

بالتوازي مع ذلك، كان هناك موقف حازم من الكرملين بأنهم لن يسمحوا بسقوط الأسد حتى لو وصل القتال إلى شوارع موسكو، مرفقاً ذلك بدعم عسكري واستخباراتي غير مسبوق.

وفي الجهة المقابلة كانت هناك قوافل الجهاديين التي بدأت بالتناسل من كل حدب على المعارضة السورية، وهنا وفي هذه المحطة الفارقة، كانت هناك رؤية وخطة – شبه إجماع داخل الادارة الأميركية بأن الفرصة الذهبية قد حانت لاستدراج الخصوم والأعداء كافة إلى المستنقع السوري – من الحرس الثوري إلى “حزب الله” إلى الجماعات الجهادية إلى النظام السوري ومن ثم تصفية بعضها بعضاً من دون أن تدخل الولايات المتحدة بأي رجل وبأية طلقة، ولذلك فقد جلست الادارة الأميركية تتفرج في المقعد الخلفي بينما يتم تسعير الأزمة في سوريا، النظام يتلقى دعماً غير محدود من إيران وروسيا بينما المعارضة تتلقى أسلحة من دول إقليمية والجماعات التكفيرية تنهال على سوريا.

وحتى حينما يتم الضغط على باراك أوباما للتدخل العسكري في سوريا على وقع المجازر من خلال – الاتجاه الانساني – داخل الادارة الأميركية أو من خلال الاعلام الأميركي فكان الرئيس أوباما يرد: لماذا علي وعلى إدارتي التدخل في سوريا بينما لا نتدخل حين حدوث مجازر في رواندا والفلبين ومناطق أخرى في العالم؟ المرحلة الثالثة والمفصلية، هي حينما قام النظام السوري بكسر الخط الأحمر الأميركي، واستخدم السلاح الكيميائي ضد الأطفال والمدنيين، ثم ما رأيناه من إخراج لصفقة الكيميائي بين روسيا وأميركا.

وكانت هذه الصفقة تحمل في ملاحقها السرية عنوانين رئيسين: أولاً، ضرورة بقاء جزء كبير من نظام الأسد في أية تسوية مستقبلية. ثانياً: غير مسموح لبشار الأسد بالانتصار الناجز أو للمعارضة.

شارك المقال