اعتدت في طفولتي أن أنصت عبر الإذاعة المصرية، الى الآذان بصوت فضيلة الشيخ محمد رفعت، واعتدت أيضاً أن استمع الى المذيع في إذاعة القاهرة، وهو يقول: “رفع الآذان حسب التوقيت المحلي لمدينة القاهرة، وعلى السادة المقيمين خارجها مراعاة فروق التوقيت”. لم أكن أفهم حكاية فروق التوقيت للمقيمين خارج مدينة القاهرة، تطلب الأمر بضع سنوات، اجتزت خلالها المرحلة الابتدائية، قبل أن أفهم ماذا تعني فروق التوقيت، وحين تدرجت في طور الشباب والرجولة، كنت قد أعدت اكتشاف المعنى وتبينت أبعاداً جديدة له.
أبرز هذه الأبعاد، اكتشفته عام ١٩٧١، كان السادات الذي تولى الرئاسة خلفاً لعبد الناصر، قد تعهد لشعبه في إحدى خطبه، بأن العام ١٩٧١ هو “عام الحسم” في إشارة الى حسم قضية تحرير سيناء من الاحتلال الاسرائيلي، وكان هذا التعهد يعني أحد أمرين، فإما أن تستطيع الديبلوماسية المصرية تطوير مبادرة روجرز (ويليام روجرز وزير الخارجية الأميركي في عهد نيكسون) بما يؤدي الى تحريك عملية سلام تبدأ بانسحاب إسرائيلي الى منطقة المضايق بوسط سيناء، وعبور القوات المصرية الى الشاطئ الشرقي لقناة السويس، وبدء عملية تطهير المجرى الملاحي للقناة تمهيداً لإعادة فتحها للملاحة العالمية، هكذا قال السادات بالحرف الواحد. أما الأمر الثاني فكان يعني أن تذهب القاهرة الى الحرب في عام ١٩٧١، لتغير بأدوات القوة ما عجزت عن تغييره بأدوات السياسة… فما الذي حدث؟ ولماذا لم تذهب القاهرة الى الحرب في عام الحسم كما وعد السادات شعبه؟!
كنت في السنة الثانية في كلية الحقوق بجامعة عين شمس، حين خرج الشباب الغاضب الى ساحات الجامعة وشوارع العباسية، احتجاجاً على ما اعتبرناه خدعة، اشترى بها السادات صمتنا، فالرجل قد وعد لكنه لم يفِ بوعده، وبينما كان العام ١٩٧١ يلملم أوراقه من دون حرب تحرير أو تحريك، سكتت المدافع بناء على مبادرة روجرز..
خرج السادات متحدثاً الى شعبه، ليشرح ويفسر، لماذا لم يذهب الى الحرب في عام الحسم الذي حدده بنفسه والتزم به أمام شعبه، ثم أسماه لاحقاً “عام الضباب”. كانت حرباً كبرى بين الهند وباكستان قد اندلعت قرب نهاية العام، وهي الحرب التي قادت الى انفصال باكستان الشرقية التي أصبحت لاحقاً “بنغلاديش”، وكان السادات يرى أن الحروب لا تقوم بين طرفين فقط، فهناك دائماً الطرف الثالث الأكثر أهمية، وهو ذلك الذي يتدخل لفض الاشتباك بين المتنازعين اذا ما احتدم القتال. وبسبب انشغال الطرف الثالث (المجتمع الدولي بمؤسساته وهيئاته وأجهزته مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن) ارتأى السادات أن الوقت غير مناسب لشن حرب، أو لابرام سلام.
فهمت لاحقاً معنى فروق التوقيت، وعلمتني السنون ودروس التاريخ أن اللحظات التاريخية لم تعد لحظات وطنية خالصة، يقررها أي وطن أو أي زعيم بمنأى عن توقيتات دولية بعضها ضاغط، وبعضها مؤثر.
في منطقتنا الآن، وبينما ينكب كبار العالم على خرائط الحضور، والتأثير والنفوذ والسيطرة، تلعب فروق التوقيت دوراً حاسماً في تمكين بعض القوى الاقليمية من فرص امتلاك دور أو تحقيق مكسب تاريخي، لكن فروق التوقيت التي أعنيها هنا، ليست فروق دقائق أو ساعات، وانما فروق ظروف وقدرات، تتيح للبعض عند نقاط فاصلة إمكان تحقيق مكسب تاريخي أو تجنب خسارة تاريخية، والأمر هنا لا يتقرر فحسب بما ينبغي عليك أن تفعله، وانما أيضاً وربما بإلحاح أكبر، يتقرر بناء على ما ينبغي عليك أن تتجنبه، فالسياسة في أحد تجلياتها، هي فن انتاج الزمن لا الاكتفاء بإدارته.


