محاولة إعادة كتابة التاريخ المصري

عبد المنعم مصطفى

في سنوات الطفولة، كنت أشتعل حماساً للمعرفة، وفي ريعان الصبا اشتعل حماسي للاكتشاف، فرحت أسأل، ورحت أفتش بنفسي عن إجابات، وفي سنوات الشباب حاولت الانتقال من مرحلة البحث عن رؤية، الى مرحلة تفعيل تلك الرؤية، أو الى الانخراط في رؤى لآخرين نالت قناعتي، واستحقت- حسب تقديري آنذاك- أن أضحي بسنوات من عمري للمشاركة في إنجازها.

حتى نهاية حرب أكتوبر عام ١٩٧٣، لم يكن جيلي قد أنجز شيئاً لهذا الوطن بعد غسل عار الهزيمة، أكثر من الصبر، والصمت. كانت معركة رد الاعتبار بعد هزيمة يونيو (حزيران)، قد استغرقت كل انشغالاتنا واهتماماتنا كجيل تفتحت سنوات الصبا اليافع عنده على هزيمة هي الأكثر مرارة في تاريخنا الحديث كله.

شغلتنا سنوات الاستعداد للحرب، عقب الهزيمة، حتى عن الإحساس بمقدار تردي نوعية الحياة في وطننا، اعتدنا انقطاع المياه عن بيوتنا، وطفح المجاري في شوارعنا، وتدني الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، وشُح في الموارد، انعكس حتى على مطبخ الأسرة المصرية البسيطة، وكان طبيعياً بعد انتهاء الحرب أن يخرج الذين صمتوا، والذين صبروا مطالبين بحقهم في التقاط الأنفاس.

لم أكن على اطلاع واسع على مقدار تردي نوعية الحياة في مصر آنذاك، ربما لنقص في الخبرة الحياتية، وربما لاعتياد رؤية التردي، وربما لأنني كنت جزءاً من المشهد، ولم أكن متفرجاً عليه من خارجه، لكنني بعد انخراط في العمل السياسي بمنظمة الشباب، استطعت من خلال معسكرات المنظمة التي طفت معها أرجاء مصر، موجهاً سياسياً في عدد من محافظاتها شمالاً وجنوباً، أن أطلع على جانب من الصورة بدا لي صادماً.

كنت في معسكر صيفي للمنظمة أقيم برأس البر في محافظة دمياط، بعد شهور فقط من صمت المدافع في أكتوبر، هناك رأيت مخيماً للمهاجرين من محافظات القناة (السويس، الاسماعيلية، بور سعيد) أقيم قرب منطقة عزبة البرج، كان حال المخيم بالغ السوء، معظم الأسر المهاجرة، كانت تقضي سحابة نهارها في شوارع متربة أو غارقة في الأوحال، هرباً من غرف ضاقت بسكانها، أو ضاقوا بها.

بعض تلك الأسر أجبرته الظروف على بيع بناته بعقود زواج وهمية لبعض العرب الذين عرفت أقدامه الطريق الى هؤلاء المنكوبين ليس لإغاثتهم، وانما للنيل منهم. هذا المشهد كان أكثر ما أرّقني طوال سنوات أعقبت انتهاء الحرب، من دون أن تتحسن أحوال الوطن، أو حتى يتبدى في الأفق البعيد بصيص أمل في تحسن الأحوال.

هذا المشهد المؤرق نفسه، تكرر أمام ناظري بأبطاله أنفسهم، بعد نحو ثلاثين عاماً، وكنت شاهداً على جانب منه، أثناء تجربة عمل في الخليج، كنت بمكتبي مع بعض الزملاء الخليجيين حين استقبل أحدهم ضيفاً له، قدمه لنا على أنه ناشط في إحدى الجمعيات الخيرية، التي تعمل لإغاثة “أهالينا” في البوسنة. صافحت ضيف زميلي الذي كان يطيل لحية غير مهذبة، مصبوغة بالحناء، ويرتدي ثوباً قصيراً بعد الركبة بقليل، ويحرك مسواكاً داخل فمه، ثم عدت الى أوراقي، حتى استرعي الزميل انتباهي سائلاً عما اذا كنت أريد أن أكسب الأجر بالزواج من احدى نساء “أبو سنة”. لم أفهم ماذا يقصد الزميل بحديثه عن “أبو سنة”، لكنه أردف موضحاً: الشيخ (الضيف) يعمل ضمن فرق الاغاثة الانسانية في البوسنة، وهو يشارك في أعمال خيرية بينها مساعدة أرامل وثكالى بوسنيات على الزواج بعرب يوفرون لهن المأوى والمسكن والرعاية! قلت للزميل وقد لاحظت حماسه للفكرة،: هل كنت ستظل على هذا القدر من الحماس لو أن من يتعين انقاذهن هن من الصوماليات لا البوسنيات؟ اذهب الى الصومال واكسب الأجر مرتين! فبهت الزميل وضيفه من ردي.

كنت قد استوعبت لحظتها فقط، كيف جرى مشهد استرخاص حرائر مصريات، حملتهن رياح النكسة الى محطات نزوح مؤقت ريثما يتم تحرير سيناء واعادتهن الى بيوتهن. فالمشهد يتكرر الآن أمام عيني، وهو قد تكرر مجدداً مع سوريات دفعتهن ظروف الحرب الى هجرة وطنهن، وتربص بهن قناصو الفرص، الباحثين وسط أنقاض الحروب عن لحم رخيص.

صدمتي في مقدار ومدى التردي الذي آلت اليه أحوالنا في مصر بعد انقشاع غبار المعارك في أكتوبر، باتت أفدح وأعمق، بعدما تابعت عن قرب، كيف جرت ادارة المشهد في مصر بعد الحرب.

كان السادات قد تغير، من رجل مهزوز، الى جنرال مغرور. كنا نفترض كمصريين أن أحوالنا بعد الحرب سوف تتحسن، وأن أولويات الوطن الذي أنجز حربه وحرر أرضه، سوف تتبدل، وأن العودة الى الاهتمام بأحوال الناس باتت واجبة، لكن السادات (جنرال الحرب المتضخم) كان أكثر انشغالاً بتغيير الزي العسكري بآخر يحاكي خطوط الزي العسكري الألماني في عهد هتلر، وبمشية عسكرية تحاكي مشية جنود هتلر (قالت وسائل اعلام السادات وقتها ان اسمها مشية الأوزة) وهو الزي العسكري نفسه الذي ارتداه السادات وجنرالاته في المنصة يوم اغتياله على أيدي إسلاميين، كان هو، لا سواه، من أطلقهم داخل الجامعات المصرية ليخلصوه من شباب اليسار والناصريين.

في العام نفسه (١٩٧٤) الذي زرت فيه مخيم مهاجري محافظات القناة بعزبة البرج في دمياط، وبعد شهور فقط، من تلك الزيارة، كان السادات قد دشن محاولة فريدة لقائد لا يريد صناعة التاريخ، لكنه يريد اعادة كتابته، فقد أمر آنذاك بتشكيل لجنة مهمتها اعادة كتابة التاريخ، كان هدفها الحقيقي هو النيل من حقبة جمال عبد الناصر، التي كان السادات بنفسه شريكاً في اثنين من أخطر قرارتها (قرار الوحدة مع سوريا وقرار الحرب في اليمن).

شغلت نفسي بمحاولة الاقتراب من لجنة السادات لاعادة كتابة تاريخ مصر، كان الدكتور يونان لبيب رزق المؤرخ المعروف، بين أعضائها، ويقيم في شبرا بشارع الترعة البولاقية، حاولت من خلال أحد معارفه الاقتراب من عمل هذه اللجنة المكلفة بإعادة كتابة تاريخ الوطن وفق رؤية حاكم، بات يرى نفسه حكيم الأمة ومهندس مستقبلها، لكن محاولتي أخفقت، ربما لحداثة سني، وربما لخوف مفرط لدى د. يونان لبيب رزق من أن يناله أذى إن هو مدّ يد العون.

أعدت المحاولة من خلال صديق كان على صلة بالوزير منصور حسن الذي كان مقرباً من الرئيس السادات ورشحته التكهنات بين آخرين ليكون أول نائب رئيس جمهورية من الشباب بعد حرب أكتوبر، لكن محاولتي باءت بالفشل، ولم يهدأ بالي قبل أن تنفثئ فقاعة لجنة السادات لإعادة كتابة تاريخ مصر. كنت خصماً لدوداً وما زلت لفكرة أن يمسك أي نظام حاكم بقلم المؤرخ ليكتب هو التاريخ وفق هواه، أما وقد سقطت الفكرة بالإهمال العمدي أو بالتقادم السياسي، أو حتى بفعل تضخم التضخم الذاتي لدى السادات الى حد اعتقاده بانقضاء حاجته الى إعادة كتابة التاريخ بنفسه عن نفسه، بعدما أضحى هو بذاته صانع التاريخ ومهندسه الوحيد، فإن مهمة السياسي كانت وينبغي أن تظل، صناعة التاريخ لا كتابته.

سنوات الرحلة، وما رافقها من إحباطات وخيبات أصابت جيلاً بأكمله، كانت وراء قراري بالرحيل في مستهل رئاسة حسني مبارك لمصر عقب مقتل السادات في يوم اختزله قلم الأستاذ محمد حسنين هيكل في كلمتين “حادث المنصة”.

كنت بيني وبين نفسي قد أمهلت مبارك فترة رئاسية واحدة، أرى فيها رؤيته، وأقدر خلالها قدراته، لكن سنوات مبارك الأربع الأولى قادتني الى قرار نهائي هو أن أرحل عن مصر حتى قبل أن تنقضي فترته الرئاسية الأولى بعامين كاملين، فلا أعود الا برحيله، مخلوعاً أو محمولاً.. وقد كان، رحلت الى أن رحل، وعدت لكن مصر لم تعد بعد، لا الى مكانها، ولا الى زماننا.

شارك المقال