كان يمكن أن تأتي الدعوة الى “الصمت والصبر والصلاة (أو الصلاة)” من زعيم “حزب إيران/ حزب الله”، باعتباره رجل دين مهتماً بالواجبات الروحية قبل أن يكون رجل سياسة مبشّراً بـ”الصبر الاستراتيجي” أو قائد ميليشيا يخوض حرباً ويرغب في أن يصمت من يعارضونها لأنه لا يكترث لرأيهم ولم يأخذه في الحسبان. لكن الدعوة جاءت من رئيس حكومة تصريف الأعمال وحملت رسائل كثيرة، لعل أهمها أن لا حول له ولحكومته ولا قوّة. فقد يعني الصمت هنا عدم الجرأة على الكلام، وقد يكون الصبر نوعاً من الاستسلام، أما الصلاة والدعاء فملاذ من سُدّت أمامه الآفاق ولم يعد يأمل إلا بـ “معجزةٍ” ما تخرجه من كربته.
الحرب لـ “اسناد غزّة” من جنوب لبنان يصوّرها “حزب إيران” على أنها انجاز له، وبالأساس هو إنجاز استراتيجي لإيران، وكيفما انتهت سيقول إنها “انتصار إلهي” آخر، فكيف يمكن أن تُوصَّف مواجهة مع عدو يستعرض بربريّته وكل أسلحته الأميركية الفتّاكة ضد الفلسطينيين لكنه يحسب ألف حساب لحرب ضد “الحزب”، سوى أنه أقام معادلة “ردعية” يحاذر العدو أن يتجاوزها؟ فهذا يُعدّ “انتصاراً” بمقياس موازين قوى دولية إنْ لم تكن فقط اقليمية. لكن ماذا عن غزّة؟ لا “الحزب” ولا “حماس” ولا غيرهما من الفصائل تأبه لأعداد القتلى من المدنيين والمقاتلين، ولا للدمار الذي محق كل مقوّمات الحياة، ولا تهتم إذا ما كانت حربها جاءت بأي انجاز للشعب الفلسطيني وقضيته. ثم ماذا عن الشعب اللبناني الذي فقد مئات من أبنائه، مدنيين ومقاتلين لهم عائلات لم تحب أن تفقدهم ولو بـ “الاستشهاد”، عدا الخسائر الاقتصادية والأرض المحروقة التي يصعب استصلاحها في مستقبل قريب؟ وفي الحديث عن أي حرب واسعة محتملة يتحدّث زعيم “الحزب” عن قدرات صواريخه على إيذاء العدو الإسرائيلي لكنه يصمت عن إيذاء العدو لعموم لبنان واللبنانيين.
إذا لم يكن هناك “انتصار” فهناك بالتأكيد “مكاسب” لإيران ولـ”محورها”، لا لغزّة ولا للبنان ولا لأيّ من البلدان الثلاثة الأخرى التي خُرّبت لإحكام سيطرة “المحور” عليها وجعلها مجرّد “ساحات”. وأهم المكاسب أن تبقى الحرب حالاً قائمة ودائمة، وأن تبقى الميليشيات فاعلة وسائدة، فهما من الأدوات اللازمة لإبقاء هذه البلدان في عزلة ومنع قيام الدولة فيها، ولإضعاف الجيوش الوطنية وتفكيك المؤسسات كافة، وكذلك لتبديد الثروات وإفقار الشعوب. نجح النفوذ الإيراني في فرض حرب على المنطقة من خلال غزّة وجنوب لبنان واتخذ “فلسطين” عنواناً مضلّلاً، وسيدخل الآن مرحلة استدامة الحرب الى وقت غير معلوم بهدف هزيمة القوى الغربية وإخراجها من المنطقة العربية، لتجيير هذا “الإنجاز” لـ”امبراطوريته” ولتعزيز مكانته في التحالف مع روسيا والصين.
عدم الاكتراث بالشعب وبالدولة من العناصر اللازمة والضرورية للميليشيات الإيرانية. المهم عندها الولاء للولي الفقيه. الحال نفسها ماثلة ومستنسخة في ممارساتها في لبنان واليمن والعراق وسوريا وغزّة. وهذه الحالات هي مشاريع خرائب مجمّدة الى أن يرضخ المجتمع الدولي لـ “الأمر الواقع” ويعترف بـ “الوضع الإيراني” فيها. هناك شيء من هذا “الاعتراف” في التعامل مع حكومة العراق الخاضعة كلياً للميليشيات التي منحت رئيسها هامشاً للعمل شرط تأمين ميزانياتها ومصالحها ومقابل حصانة “قانونية” لسيطرتها. وتريد إيران أن تستتب لأتباعها أوضاعٌ مماثلة في مناطق نفوذها الأربع الأخرى، غير أن “الاعتراف” بحكم الميليشيات لا يضفي عليها شرعية دولية، فضلاً عن أن شرعيته الداخلية تبقى منقوصة ومشكوكاً بها. فعلى سبيل المثال، تعني المساومات بين إيران وأميركا على بقاء “حماس” بشكل أو بآخر أن لا اعادة إعمار في غزّة، وتعني أيضاً تجميداً أو تعطيلاً لأي تمكين للسلطة الفلسطينية.
بالانتقال الى الوضع اللبناني الذي اكتسب أهمية مضاعفة لدى إيران، بالنظر الى الأسلحة التي كدّسها “حزبها”، فإن بقاء “الحزب” أو عدم بقائه أو حتى إضعافه ليست إشكالات تشغل طهران، فما يشغلها الآن هو أن تنتهي حربا غزّة وجنوب لبنان وقد مكّنتاها من الجلوس الى طاولة المساومات على مستقبل المنطقة، وإذا بقيت مستبعدة دولياً وعربياً فإنها ستواصل إشعال الحرائق إن لم يكن في غزّة أو الضفة الغربية ففي لبنان وسوريا والعراق واليمن ولديها الكثير من الأوراق، وكذلك الأتباع المدجّجين بالصواريخ. وبالنسبة الى لبنان، تحديداً، فإن فرضية التزام “الحزب” وقف اطلاق النار في جنوب لبنان مع سريانه في غزّة لم تعد كافية “استراتيجياً” لاستعادة الهدوء. ذاك أن المعادلة “الردعية” التي يقول “الحزب” انه فرضها على العدو الإسرائيلي استندت أساساً الى معادلة قمعية في الداخل. يصعب افتراض امكان استدامة المعادلة الأولى بـ”تفاهم” أميركي- إيراني، أو برعاية أميركية ودولية لتطبيق القرار 1701 أو أي قرار جديد. أما استدامة “الحزب” نفسه في التحكّم بلبنان واللبنانيين، عبر المعادلة الثانية، فتشكل وصفة للإستشراس في القمع ولاستمرار حال الحرب وانعدام الاستقرار. وقد أثبتت سوابق إيران و”حزبها” أنهما كلما حصلا على تنازلات (من أجل السلم الأهلي) طلبا المزيد للإمعان في التخريب. لن يرضى “الحزب”، بعد الحرب، بأقلّ من السلطة المطلقة.


