في خطوة تهدف على ما يبدو الى تثبيت احتلال قطاع غزة لفترة طويلة، عيّنت تل أبيب حاكماً عسكرياً للقطاع ، تحت اسم “منسق الشؤون الانسانية المدنية في قطاع غزة”، ليتولى إدارة الجوانب الانسانية وتنسيق القضايا المدنية!
ويوازي هذا المنصب الذي سيتولاه العميد الاسرائيلي إلعاد غورين، منصب رئيس الادارة المدنية التابعة لسلطة الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية، بصلاحيات تتعلق بمتابعة إمكان عودة مليون نازح فلسطيني إلى شمال القطاع، ومشاريع إعادة بنائه، والتنسيق مع المؤسسات الدولية لإدخال المساعدات الانسانية إلى سكانه، والاستعداد لفصل الشتاء.
وبهذا يكون قد اتضح المشروع الاسرائيلي في غزة، بعد أحد عشر شهراً من الحرب الضروس، قاطعاً الشك بيقين السيناريوهات التي كانت تطرح منذ بداية الحرب، فلا لعودة السلطة الفلسطينية الى حكم قطاع غزة، كما قال بنيامين نتنياهو، ولا قوات دولية أو عربية تدير القطاع، ونكون أمام صورة أكثر وضوحاً لليوم التالي للحرب الذي تهربت حركة “حماس” من نقاشه، وهو احتلال إسرائيلي طويل المدى لقطاع غزة.
كان الاسرائيلي خلال فترة الحرب يشاغل حركة “حماس” بالمفاوضات وصفقة التهدئة وقوائم الأسرى، وكانت الحركة تعتقد أن النهاية لهذه الحرب ستكون شبيهة بنهايات الحروب السابقة وتعود لحكم قطاع غزة، من دون أن تدرك أبعاد المسألة بأن هناك قراراً إسرائيلياً وأميركياً ودولياً وعربياً، بإنهاء حكمها باعتبار أن استمرارها كقوة حاكمة لقطاع غزة، بات يشكل تهديداً مباشراً لفكرة الاستقرار الاقليمي ولأمن دولة إسرائيل، وتحت لافتة “انتهاء الدور الوظيفي لحركة حماس”.
وحين كان وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يقول: “ان الولايات المتحدة لا تقبل أي احتلال طويل الأمد لغزة”، لم تنتبه الأطراف الى أن هذا يشكل ضوءاً أخضر لتل أبيب لاحتلال القطاع بشكل متوسط المدى، لأن بلينكن لم يقل إن بلاده تعارض هذا النوع من الاحتلال ما دام ليس دائماً.
وبدأ بعض الدوائر في أجهزة الأمن الاسرائيلية برسم سيناريوهات قاتمة إذا فرضت الحكومة اليمينية في إسرائيل “الحكم العسكري” في غزة، منبهة على عواقب وخيمة وأعباء إضافية على إسرائيل.
وحسب ما أوردته قناة “كان 11” العبرية، عارض مسؤولون كبار في مؤسسات الأمن الاسرائيلية فكرة فرض “حكم عسكري” على القطاع، وقدروا أن تكلفة تفعيل مثل هذه الادارة تبلغ 20 مليار شيكل سنوياً، إضافة الى ذلك، ستنخرط 5 فرق عسكرية للعمل بصورة مستمرة في أراضي قطاع غزة وستكون مسؤولة عن 2.3 مليون فلسطيني. كما أن تقديرات تكلفة الميزانية هي بالأساس تقديرات “لإدارة القطاع فقط”، من دون “إعادة تأهيل قطاع غزة” من بنى تحتية ومستشفيات ومدارس وطرق وغيرها. وأيضاً من دون إنشاء البنية التحتية للحكم العسكري مع إقامة قواعد داخل القطاع.
وعلى الصعيد الدولي، يرى تيار واسع في المؤسسة العسكرية في تل أبيب، أن فرض “الحكم العسكري” سيضر بالعلاقات مع الولايات المتحدة ودول الجوار مثل مصر والأردن ودول “اتفاقات إبرهام”، إلى حد قطع العلاقات مع إسرائيل. كما سيتم إيقاف المساعدات القادمة من المجتمع الدولي، إذ لن توافق أي دولة على تقديم الدعم الانساني إلى الأراضي المحتلة التي يديرها الجيش الاسرائيلي.
ويرى المراقبون، أنه بتولي العميد غورين قيادة ما تسميه سلطات الاحتلال “مسارات استراتيجية مدنية” في قطاع غزة على المدى البعيد، تكون تل أبيب قد سعت الى الحصول على “شرعية دولية لاستمرار الحرب على غزة”، من دون أن تتعرض غزة إلى مجاعة أو أزمة إنسانية. فيما يسعى جيش الاحتلال الاسرائيلي الى ترميم صورته، ويحاول إضفاء نوع من الشرعية على عملياته العسكرية في قطاع غزة من خلال إظهار تعاونه في ما يتعلق بالجهد الانساني، خصوصاً مع تصاعد خطر انتشار الأوبئة التي كان آخرها شلل الأطفال الذي تطالب الأمم المتحدة بهدنة إنسانية لتطعيمهم في غزة ومنع انتشار المرض.
وقال مسؤول إسرائيلي كبير لصحيفة “يديعوت أحرونوت”: “هذا ليس مشروعاً مؤقتاً، هذا المنصب سوف يستمر معنا لسنوات قادمة”، رافضاً فكرة أن التدخل الاسرائيلي في غزة سينتهي قريباً، بغض النظر عن وتيرة القتال أو أي صفقات التبادل المحتملة.
ما هي الادارة المدنية؟
أنشأت إسرائيل الادارة المدنية في 1981، وكانت عبارة عن جهازين منفصلين واحد لقطاع غزة والآخر للضفة الغربية، وجاء بموجب أمر صادر عن وزير الحرب الاسرائيلي حينها أرئيل شارون، بهدف الاهتمام بالشؤون اليومية للسكان المحليين في هاتين المنطقتين المحتلتين.
وهدفت هذه الادارة إلى تحسين صورة “إسرائيل” أمام العالم وإعطاء انطباع وكأن هناك حالة سياسية في الأراضي الفلسطينية، تبعد الأنظار عن حقيقة وجود احتلال مرفوض من السكان، ووفق القانون الدولي.
وحينها تم الاتفاق على أن يكون رئيس الادارة المدنية خاضعاً لسلطة “منسق الأعمال في المناطق”، وهذا الأخير يكون خاضعاً بدوره لسلطة وزير الحرب.
وعلى صعيد المبنى الداخلي للإدارة المدنية، فقد أُقيمت ثلاث دوائر في كل إدارة من الادارتين: اقتصادية وتضم التجارة والمواصلات والصناعة والتوظيف، والخدمات: تضم التربية والتعليم والداخلية والرفاه الإجتماعي والصحة، والأملاك: تضم الأراضي العامة والثروات الطبيعية وأملاك الغائبين.
وتزامنت الخطوة الاسرائيلية بتعيين العميد غورين حاكماً مدنياً عسكرياً، مع تصديق “الكابينت” على الخريطة التي تحدد بقاء جيش الاحتلال على امتداد محور فيلادلفيا على الحدود مع مصر، في إطار أي صفقة تبادل محتملة مع حركة “حماس”. وكشف رئيس الموساد ديفيد برنيع في جلسة مغلقة مع أهالي الأسرى الاسرائيليين، أن الخلافات بين إسرائيل و”حماس” بشأن عودة سكان غزة إلى شمال القطاع “أكثر تعقيداً من الخلاف على محور فيلادلفيا وليس لها حل حالياً”.
وتصر إسرائيل على أن عودة سكان غزة إلى شمال القطاع لن تتم إلا بشرط إجراء فحص جسدي وتحديد هوياتهم على حاجز نتساريم، وذلك لمنع عودة تسليح “حماس” وإعادة تأهيلها في شمال قطاع غزة.
وأوضح برنيع في الحديث أن الفجوة في هذه القضية لم يتم حلها بعد، وأن موقفه الشخصي هو أن من الأفضل الانسحاب من فيلادلفيا ونتساريم من أجل إعادة المختطفين الاسرائيليين.
وتعقيباً على قرار الكابينت الخميس الماضي ببقاء الجيش الاسرائيلي في محور فيلادلفيا، ضمن أي صفقة تهدئة قادمة مع حركة “حماس”، تقول صحيفة “إسرائيل اليوم”: ان قرار الكابنيت هو قرار رمزي فقط، لأن خرائط بقاء الجيش الاسرائيلي في محور فيلادلفيا، اطلعت عليها الولايات المتحدة ومصر وقطر ووافقت عليها، وبالتالي فإن قرار الكابينت الاسرائيلي، ليس سوى قرار دعائي.


