فلسطين ومهزلة الاجتماعات

الراجح

هذه اللّعبة المهزلة التي تعتمدها الولايات المتّحدة منذ عرّفتنا على ثعلب الديبلوماسيّة الأميركيّة هنري كسينجر، أي منذ حوالي ستّين عاماً مع دخولها إلى دائرة الصِّراع العربي- الاسرائيلي، لم تتغيّر أي قاعدة من قواعدها القائمة على كسب الوقت ليتمكّن الاسرائيليّون من إنجاز مخططاتهم العدوانيّة وتحويلها إلى أمر واقع يصبح من الاستحالة تغييره أو حتّى التّراجع عنه. وبذلك تكون نتائج تمرير الوقت دائماً تحقيق كامل مصلحة اسرائيل ويصبح ما لنا لهم!

كيف تعاملت أميركا بديبلوماسيّة كسينجر منذ اندلاع حرب 7 أكتوبر ولغاية الآن؟

تزامناً مع كل اجتماع أمني في قطر أو القاهرة، يتم تسريب أنباء عن تقدم جاد وإيجابي وبنّاء في المفاوضات، في حين يمنح بنيامين نتنياهو مزيداً من الوقت لتنفيذ عملياته العسكرية بدعم أميركي واسع، لا سيما في المجال الاستخباراتي.

والأهم أنّه في حال استمرار اللّقاءات، فهم يعطّلون “قوى الإسناد” ويمنعونها من التّصعيد كي لا تُتَّهم بأنّها كانت وراء إفشال المفاوضات. وهذا يحصل، بغض النّظر عمّا إذا كنّا مع هذه القوى ودورها في سياسة المنطقة أو ضدّها.

يمثل هذا نهجاً تكتيكياً متقناً من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، بحيث يسمح لهم بمواصلة عدوانهم على الشعب الفلسطيني، بينما تبقى الجبهات الأخرى تحت السّيطرة، ومحكومة بأسقفٍ مفروضة على القوى أو مُتَّفَق عليها، لا فرق، كون النتيجة واحدة. فانضباط الجميع كي لا تنزلق الاشتباكات إلى مساحات أوسع، كون “القوى المسانِدة” جميعها لا تريد الحرب الاقليميّة كما اسرائيل نفسها! لذا تبقى الحرب الحقيقيّة، التي لا سقف ولا حدود زمنيّة لها، تحوِّل غزّة إلى أرض محروقة والى مكان لا يصلح للعيش، وهي تمتد تدريجياً إلى الضّفة الغربيّة.

في ظل هذه السياسة، التي تتشابه مع ديبلوماسية كيسنجر، يتم تدمير البنى التحتية في غزة والضفة الغربية، بينما تستمر التصريحات عن السلام والمفاوضات الايجابية والجدِّية والبنّاءة حتّى لا يعود هناك بناء قائم ولا حتى أبنية.

لذا، فليخرج كل هواة السياسة والكثير من المحترفين من نفق السياسة الأميركيّة في الشرق الأوسط لأنّه نفق ليس في آخره إلاّ النِّفاق.

فلا التاريخ البعيد ولا القريب ولا العقل ولا المنطق يمكن أن يقبل إدّعاء الاسرائيليين الصهاينة بالحق في فلسطين. وليعلم هؤلاء أن المستعمرين الفرنسيين بقوا في الجزائر 132 سنة ولم يكتسبوا حقّاً تاريخيّاً فيها؛ وبقي المستعمرون البرتغاليون في أنغولا وموزمبيق أكثر من 250 سنة ولم يكتسبوا حقاً تاريخيّاً فيها. وهم لم يكونوا مجرّد جيش احتلال وإنّما زرعوا وأقاموا علاقات اقتصاديّة ومؤسسات إداريّة وتعليميّة، ومع ذلك لم يكتسبوا حقًّاً تاريخيّاً ولم تتعمّق جذورهم في تلك الأرض.

شارك المقال