إيران تتراجع “تكتيكياً” أمام إسرائيل… والمواجهة متروكة للعرب

جوان مصطفى

بعد سنوات من لجوء إيران الى “الصبر الاستراتيجي” في مواجهة الاعتداءات الاسرائيلية، ظنّ الجميع أن زمن هذه السياسة قد انتهى بعدما أطلقت مسيّراتها على إسرائيل في منتصف نيسان الماضي، في أول هجوم مباشر على الكيان العبري منذ قيام الثورة الاسلامية عام 1979، والذي أتى ردّاً على الضربة الاسرائيلية للقنصلية الايرانية في دمشق وقتلها عدداً من كبار الضباط في الحرس الثوري. ولكن يبدو أن سياسة المواجهة لم تدم وقتاً طويلاً، إذ عادت إيران الى نهجها السابق، ولكن بإسم جديد هذه المرة وهو “التراجع التكتيكي”.

على مدار شهر كامل توعّد المسؤولون الايرانيون، وفي مقدمهم الهرم الأعلى في النظام المرشد علي خامنئي “بأشد العقاب” لاسرائيل بعد اغتيالها رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية في طهران، وأن الردّ آتِ لا محالة. ومع ذلك توالت الليالي والأيام والرد لم يأتِ، مع الاعتقاد بأن هذا التأخير جزء من “الحرب النفسية”، ولكن تصريح خامنئي بأن “لا ضير في التراجع التكتيكي” أمام “العدو”، والتراجع قد يكون في الميدانين العسكري أو السياسي، يفسّر الكثير من غياب الرد حتى الآن.

الواضح أن النظام في إيران لا يريد أي مواجهة مباشرة مع اسرائيل بحسب ما تقول الكاتبة الصحافية سناء الجاك في حديثها لموقع “لبنان الكبير”، إذ تعوّدنا أن تتولى الأذرع هذه المهمة، كما تعوّدنا أن يستخدم النظام هذه الأذرع ليرسخ وضعه كقوة اقليمية. لكن من المفيد في مسألة التراجع “التكتيكي” هذا طرح سؤال “خبيث”: “أيهما أفضل للنظام الايراني: اسماعيل هنية المعتدل الى حد ما والعقلاني أم يحيى السنوار الذي يشكل مع قادة ميليشيات المحور فريقاً متجانساً؟”، ربما الجواب عن هذا السؤال يوضح أبعاد التراجع “التكتيكي”.

وتشير الجاك الى أن ايران بعد الحرب الايرانية-العراقية، لم تعد تحارب، إلا بالأذرع والدماء العربية، فما يهم النظام تأمين كيانات منهارة حوله لا قيامة لها، إن في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن وأينما استطاع الى ذلك سبيلاً حتى لا يضطر الى خوض حرب مباشرة مرة أخرى، والحديث عن “صبر” أو “تراجع استراتيجي” هو للاستهلاك والتبرير لأن هذا النظام يملك أدوات التخريب وليس أدوات المواجهة الفعلية المكتملة العناصر والأوصاف. وما دام لديه من يحارب عنه ويسمح له بالحصول على المكاسب فلا سبب يدعوه الى تغيير سياسته هذه.

وتعرضت إيران عقب مقتل هنية لضغوط دولية بغية منعها من تنفيذ رد قد يدفع المنطقة نحو حرب موسعة لا ضوابط أو “قواعد اشتباك” فيها. وهذه الضغوط لم تقتصر على الديبلوماسية وحسب، بل تُرجمت عسكرياً أيضاً، بعدما أرسلت الولايات المتحدة غواصة صاروخية وحاملات طائرات لتبعث برسالة واضحة الى الايراني بأنها لن تقف “مكتوفة الأيدي” في حال تعرض أمن إسرائيل للخطر.

ولكن هل غياب الرد الايراني كان نتيجة التهديدات الأميركية أم أن طهران حصلت على ضمانات من نوع ما تخوّلها تحقيق مكاسب سياسية من عدم توجيه ضربة الى إسرائيل؟

ترى الجاك أن الولايات المتحدة على الأرجح كانت جادة في تهديداتها لايران ولـ “حزب الله” اذا ما تجاوز الرد على اسرائيل الخطوط الحمر، وايران تلقفت الرسالة وفهمتها فكان الرد الفولكلوري للحزب و”التراجع التكتيكي” لرأس المحور.

ويبقى السؤال الأهم حول مصير “جبهات الإسناد”، ومن بينها الجبهة اللبنانية الأكثر شراسة، وما إذا كان “حزب الله” سينتهج المسار الايراني نفسه بـ”التراجع التكتيكي”؟

ليس بالضرورة تجيب الجاك، ففي غزة واضح أن حركة “حماس” فقدت قدراتها العسكرية. والحوثيون بعد ضربة الحديدة فهموا الدرس وكذلك بالنسبة الى ميليشيات إيران في العراق. اما على الجبهة اللبنانية، فيبدو أن حرب الاستنزاف هي الغالبة، حيث ممنوع التوقف وممنوع التصعيد، مع محاولات تذاكٍ تتولاها الحكومة اللبنانية عبر الايحاء برغبتها في مفاوضات غير مباشرة أو ما شابه بتوجيهات من “حزب الله”، وذلك منعاً لتوسيع الحرب. ولن تتوقف حرب الاستنزاف إلا عندما تجلس إيران على الطاولة لتفاوض بشأن مصير الجبهة اللبنانية وتقبض الثمن.

شارك المقال