إذا كانت هناك أمنية واحدة تجمع اللبنانيين، فالجواب البديهي هو الكهرباء. توالت السنوات وتعاقبت فيها الحكومات والوزراء على رأس وزارة الطاقة، وبقيت الأمنية ثابتة من دون أن تتحقق. القطاع الذي كبّد الدولة اللبنانية مليارات الدولارات، كان “رأس الحربة” في تشكيلة القطاعات التي أوصلت اللبنانيين إلى الانهيار المالي أواخر 2019. وتحوّل وعد عرّاب الوزارة، أي “التيار الوطني الحر” بشخص رئيسه جبران باسيل، من “24/24 كهرباء” إلى “24/24 عتمة”.
العتمة الشاملة التي شهدها البلد خلال الشهر الماضي، أعادت ملف الكهرباء إلى الواجهة، وإلى قاعات المؤتمرات الصحافية للمسؤولين من نواب ووزراء وغيرهم من المعنيين بالقطاع.
الجديد-القديم هذه المرة كان إعلان مجموعة من نواب المعارضة التقدم بطلب تشكيل لجنة تحقيق برلمانية، للتحقيق “في الجرائم والشبهات والتجاوزات وأفعال التقصير والاهمال في ملف الكهرباء”.
التأخر في طلب تشكيل لجنة التحقيق البرلمانية جاء نتيجة عمل نواب المعارضة على اقتراح قانون لإيجاد حلول لملف الكهرباء بحسب ما كشف النائب سعيد الأسمر في حديثه لموقع “لبنان الكبير”.
وكانت كتلة “الجمهورية القوية” قد تقدمت بمشروع قانون معجّل مكرر يتيح إشراك القطاع الخاص، وبحالة طارئة، في تأمين الكهرباء إلى حين تطوير وإنجاز الإصلاحات المطلوبة في قطاع الكهرباء كلها”، على أن ينحصر دور القطاع الخاص “في استعمال الشبكة بطريقة موزعة على التوتر المتوسط لتأمين كهرباء للناس بكلفة مقبولة ومنخفضة، وبطريقة تراعي السلامة البيئية بشكل أفضل من الذي نعيشه اليوم”.
وأشار الأسمر الى أن الدور الرقابي للنواب “يحتمّ علينا أن نفتح تحقيقاً في الملف، بعد كل هذه السنين من الوعود الكاذبة والفساد في قطاع الكهرباء، ومع فشل الحكومات المتعاقبة والوزراء المتعاقبين على وزارة الطاقة في حلحلة أزمة الكهرباء، التي لا تحتاج الى حلول صعبة ومعقدة”.
كيفية تشكيل لجان التحقيق البرلمانية وصلاحياتها
ينص الفصل الثالث من النظام الداخلي لمجلس النواب اللبناني على تفاصيل تشكيل لجان التحقيق البرلمانية وكيفية أدائها لدورها، ويشمل ذلك الاجراءات المتعلقة بالتحقيقات التي تتناولها المواد من 139 إلى 143.
تتمتع هذه اللجان بصلاحيات واسعة، حيث تقر المواد من 139 إلى 142 بحق مجلس النواب في هيئته العامة اتخاذ قرار بشأن إجراء تحقيق برلماني في موضوع معين، سواء بناءً على اقتراح يُقدّم لمناقشته، أو في سياق سؤال، أو استجواب يتعلق بمسألة محددة، أو مشروع يُعرض عليه.
وتنص المادة 143 على أنه يحق لمجلس النواب منح لجان التحقيق البرلمانية سلطات مشابهة لسلطات هيئات التحقيق القضائية، شريطة أن يُصدر هذا القرار خلال جلسة للهيئة العامة. ويُجرى التحقيق وتتم ممارسة الصلاحيات من اللجنة وفقاً لأحكام القانون رقم 11/72 بتاريخ 25 أيلول 1972.
ولكن على الرغم من كل هذه الصلاحيات الممنوحة للجان التحقيق النيابية بموجب القانون الداخلي لمجلس النواب، إلا أن التجارب السابقة في المجلس ليست مشجعة على إمكان تصويت الهيئة العامة على قرار تشكيل لجنة تحقيق، أو حتى إدراجه على جدول الأعمال، وجريمة انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 والحرائق على امتداد الأراضي اللبنانية في 2019، خير شاهد على ذلك.
حتّى في موضوع الكهرباء نفسه، بحيث سبق أن تقدمت النائبة بولا يعقوبيان في أيار 2020، باقتراح الى رئيس مجلس النواب نبيه بري لـ “تأليف لجنة تحقيق برلمانية في فضيحة الفيول المغشوش والهدر في قطاع الكهرباء” ولكن بقي الطلب حبيس أدراج مجلس النواب من دون أن يبصر النور.
وحول إمكان مواجهة الطلب الحالي بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية مصير الطلبات السابقة و”تسييس” الملف، قال الأسمر: “ان المعارضة ستلجأ الى الطرق والسبل القانونية كافة لمتابعة الملف حتى النهاية، وعلى الجميع تحمل المسؤولية، وكل من يقف في وجه تشكيل لجنة التحقيق، سواء الفريق السياسي الذي كان على رأس وزارة الطاقة سنوات طويلة أو غيره، هو متورط في وصول الحال الى ما هي عليه الآن”.
كما دعا الأسمر رئيس مجلس النواب وجميع الفرقاء السياسيين الى تحمل مسؤولياتهم لأنه لا يمكن أن يكون هناك ملف مثل ملف الكهرباء يشوبه الكثير من الشبهات والفساد من دون أن يكون هناك تحقيق “جدّي” يكشف المتسببين في “العتمة” من أعلى هرم السلطة إلى جميع المتورطين في غياب الكهرباء عن اللبنانيين.
الأيام والأسابيع المقبلة كفيلة بالكشف عن قرار رئيس مجلس النواب بـ “كسر الجرّة” والسير في طلب تشكيل لجنة تحقيق، وضعه على جدول أعمال المجلس فور عودته الى الانعقاد، أو تكرار التجارب السابقة التي أفلتت، إلى جانب “تسييس” القضاء، من محاسبة المتورطين عن هدر ٤٠ مليار دولار في قطاع الكهرباء من دون أي جدوى وبقاء أمنية الكهرباء بالنسبة الى اللبنانيين بعيدة المنال.


