يستمر غرق لبنان في مستنقع الديون، خصوصاً في ظل غياب خطط الحكومة وعدم تنفيذها الاصلاحات المطلوبة لإنقاذ الوضع الاقتصادي، بل واعتماد الدولة بصورة أساسية على الاقتراض والاستدانة لتسيير شؤون البلاد، وقد إحتلّ لبنان الصدارة بتقييم إحتساب نسبة الدين العام الى حجم الناتج المحلي، مسجلاً نسبة 201.2%، وفقاً لبيانات البنك الدولي للعام 2023، بينما كانت هذه النسبة تقدّر بـ 160% قبل حصول الإنهيار الكبير، أي عام 2019.
ارتفعت نسبة الدين العام المقوّمة بالعملة الأجنبيّة عموماً من 40% بحسب الوكالة إلى 98% في العام 2023، بسبب إحتسابها على أساس سعر صرف منصة “صيرفة”. في المقابل، تراجع حجم الناتج المحلي الكلي من 18 مليار دولار في العام 2023، ويتوقع أن ينخفض إلى 16 مليار دولار في العام الجاري، بعدما كان عند 51 مليار دولار في العام 2019.
وعن سبب ارتفاع الدين العام وكيفية تكوينه، قال الباحث في الشؤون الاقتصادية والمصرفية محمد فحيلي لـ”لبنان الكبير”: “في سياق إدارة المالية العامة، يتوجب على السلطة السياسية صاحبة الاختصاص، إيجاد توازن بين النفقات والايرادات حتى تتفادى العجز في الموازنة العامة، هذا العجز السنوي يتراكم مع مرور السنوات ويصبح ديناً عاماً. في سياق إعداد الموازنة، السلطة تتصرف بمسؤولية عندما تحدد الخدمات الأساسية التي يتوجب على القطاع العام تقديمها للمواطن في أي بلد، وفي لبنان نتحدث عن الخدمات الأساسية التي يفشل القطاع الخاص في تأمينها كالأمن والقضاء والرقابة وسلامة الطرق وسلامة الغذاء والصحة وحزام أمان اجتماعي للتخفيف من تداعيات الفقر في البلد، تحدد الدولة الخدمات الأساسية وكلفتها، ثم تذهب باتجاه التفكير في النفقات الاستثمارية كتحسين البنى التحتية من طرق وموانئ ومطارات وشبكة المياه والاتصالات، بالاضافة الى النفقات الجارية كالرواتب والأجور ونفقات الصيانة لمكاتب الدولة ومؤسساتها. جميعها تدخل في إطار الاعداد للموازنة، والبداية دائماً من النفقات وليس من الايرادات. بعدها نذهب الى الايرادات، في ما يخص الضرائب المباشرة وغير المباشرة والرسوم وكل الايرادات التي تحصلها الدولة، في وضعنا الحالي اليوم، هل هذه الايرادات تغطي النفقات الأساسية المطلوبة لتغطية كلفة الخدمات الأساسية؟”.
ورأى فحيلي أن “ليس من الخطأ أن تذهب الدولة الى الدين من أجل تمويل الانفاق الاستثماري، لأنه يعزز الاقتصاد وبالتالي يتحسن وضع المؤسسات وترتفع نسب التوظيف والأجور وبالتالي ضرائب أكثر وايرادات أكثر. لكن الاستدانة لتمويل النفقات الجارية سيئ خصوصاً إن كان معظم هذه النفقات عبارة عن رواتب وأجور كما يحصل في لبنان. هذه هي العوامل التي تؤثر على ارتفاع الدين العام، سوء الادارة للمالية العامة وانعدام المسؤولية وتعزيز المكاسب السياسية لكل مكون سياسي من السلطة الحاكمة، ما ينعكس سلباً على مصلحة الوطن. في الوقت الذي اتخذت فيه الدولة قراراً بالتوقف عن التوظيف، قام العديد من الوزراء بتوظيف عدد هائل من الناس لأغراض سياسية وإعادة انتخابهم في الاستحقاقات المقبلة، ما يزيد الهدر والفساد ويرفع قيمة الدين العام”.
الدين العام: بين 1993 و2020
يفترض الحجم الفعلي للدين العام، التمييز بين سندات الدين بالعملة الأجنبية، أي سندات اليوروبوندز، وسندات الدين بالليرة اللبنانية.
بالأرقام، بلغت قيمة سندات اليوروبوندز المتوجبة على الدولة، وفق دراسة أعدها “مركز إشراق للدراسات”، 327 مليون دولار عام 1993 وارتفعت الى 772 مليون دولار عام 1994، ثم بلغت 5.5 مليارات دولار عام 1999، وهو ارتفاع متوقع، بسبب ازدياد الاقتراض للإعمار بعد الحرب الأهلية. وسجلت هذه السندات 21.1 مليار دولار بين 2007 و2008، ثم انخفضت قيمتها الى 20.6 مليار دولار بين 2009 و2010، نتيجة المساعدات القطرية بعد حرب تموز 2006، وكذلك اتفاق الدوحة عام 2009. لكن قيمة سندات اليوروبوندز عاودت ارتفاعها عام 2011 لتسجل 20.9 مليار دولار، وبلغت 24.3 مليار دولار عام 2012، و33.75 مليار دولار عام 2019. ويعود سبب ارتفاع قيمة السندات الى تراكم مستحقات الفوائد، بسبب تأخر الدولة في التفاوض مع الدائنين لإعادة هيكلة هذه السندات.
واستمرت قيمة سندات اليوروبوندز في الارتفاع، خصوصاً بعد اتخاذ حكومة حسان دياب قراراً بالامتناع عن دفع هذه السندات في آذار 2020، فارتفعت قيمتها من 36.050 مليار دولار عام 2020 الى 38.5 مليار دولار عام 2021، وسجلت 41.34 مليار دولار، كما وصلت الى 101.8 مليار دولار العام الماضي.
وفي هذا الاطار، أشار فحيلي الى أن “أكبر دليل على اللامسوؤلية في إدارة المال العام، هو طريقة تعاطي الدولة مع استحقاقات الدين العام، وأهمها استحقاق آذار 2020 عندما اتخذت قراراً بالتوقف عن خدمة الدين العام من دون إعطاء أي إشارة للدائنين الى أنها على استعداد لاعادة جدولة الدين العام وهيكلته، وهو موضوع أساسي لأن لبنان صُنّف حالياً متعثر بطريقة عشوائية وغير منتظمة، وأثر على التصنيف الائتماني له، وحكماً في التعاطي مع الأمور المالية تحت سقف هذا البلد، تأخذ التصنيف نفسه الذي يأخذه البلد، وبالتالي كل مؤسسة مصرفية في لبنان متعثرة وتتأثر قدرتها على تأمين الخدمات المصرفية”.
وأكد أن “ما زاد الطين بلة، عدم إقدام الدولة على تقديم أي محاولة للتواصل مع الدائنين لإعادة جدولة الدين، بل نلاحظ في كل الموازنات التي أقرت ومشاريع الموازنات التي قدمت الى الأمانة العامة للمجلس النيابي، أن أي مادة تتعلق بالدين العام لم تقدم، ولا حتى توجه للاعتراف بالدين وتأثيره على عجز الموازنة، ما يدل على اللامسؤولية. لكن في ظل الظروف الجيوسياسية، لبنان لديه فرصة ذهبية للتواصل مع الدائنين تحت رعاية دولية كصندوق النقد الدولي ونادي باريس لإعادة جدولة الدين، لأنه قادر على أن يستفيد من إعفاءات كبيرة من حجم الدين وفوائد مخفضة جداً وآجال طويلة لإعادة جدولة الدين. لكن مع الأسف نحن بلد الفرص الضائعة والحكم بالوقت الضائع وهذا ما نعانيه اليوم”.
أما بالنسبة الى الدين العام بالليرة اللبنانية، فقد ارتفع من 5.803 مليارات ليرة في نهاية 1993، الى 91.5 مليار ليرة في نهاية 2023. كما اختلفت طريقة احتساب الدين العام، بحيث أن الدين بالليرة اللبنانية، البالغ 91.5 مليار ليرة، كان يوازي أكثر من 61 مليار دولار قبل عام 2019، أي وفق سعر صرف 1500 ليرة للدولار. لكن قيمة هذه السندات تراجعت مع تدهور الليرة اللبنانية، لتصبح قيمتها ما يقارب المليار دولار فقط. وبالتالي تخلصت الدولة من 60 مليار دولار من ديونها.
وأوضح فحيلي بالأرقام، أن “الدين العام بالليرة اللبنانية انخفض، اذا أردنا تقييمه بالدولار بسبب تآكل الليرة اللبنانية، والحل يكمن ليس في تسديده باعتبارها فرصة ذهبية أمام الدولة لتسديد دينها، بل في تنفيذ الاصلاحات الأساسية لمنع تكرار تكون الدين، والدين بالليرة اللبنانية لا يؤثر على الوضع الاقتصادي للبلد كالدين الخارجي المكون بالعملة الأجنبية سواء دولار أو يورو”.
وشدد على أن “الأولوية اليوم لتخفيف أهمية الدين المكون بالليرة اللبنانية، ومحاولة معالجة الديون الأجنبية. إعادة كرامة الليرة اللبنانية اليوم، واعتبارها عملة أساسية في تمويل فاتورة الاستهلاك وفواتير المصاريف التشغيلية للمؤسسات بالحد الأدنى يجب أن تكون أولويات السلطة الحاكمة سواء مصرف لبنان أو وزارة المالية أو المجلس النيابي عموماً”.
وعن كيفية معالجة الدين العام، اعتبر فحيلي أن “نجاح الدولة في إدارة العجز بين النفقات والايرادات، سيؤدي الى خفض الدين العام مع مرور السنوات، بحيث أن انطلاقة أي إدارة فاعلة للدين العام تكون عبر إدارة فاعلة للموازنة والتخفيف من العجز قدر المستطاع. والمؤشر الأساسي للعجز هو نسبة العجز من الإنتاج القومي، لأن الدولة تحصّل الايرادات من خلال ضرائب ورسوم على النشاطات الاقتصادية للقطاع الخاص، لذلك فالناتج القومي هو مؤشر أساسي لتقييم فاعلية الموازنة العامة”.


