منذ عام 1932 لم يجرِ لبنان أي تعداد رسمي للسكان، ويعود السبب الرئيسي الى “تصنيف اللبنانيين بناء على انتماءاتهم الطائفية والمذهبية، بدلاً من التركيز على هويتهم الوطنية كمواطنين لبنانيين أولاً”. وأشار تقرير “الدولية للمعلومات”، الذي قارن الأرقام الصادرة عن المديرية العامة للأحوال الشخصية في وزارة الداخلية للفترة الممتدة بين 2020 و2023 مع أرقام الفترة من 2016 إلى 2019، الى أن التراجع في نسبة النمو السكاني بلغت نحو 40 في المئة.
وذكر التقرير أن “الكثير من الأطراف السياسية اللبنانية يخشى أن يؤدي الكشف عن الحقائق الديموغرافية إلى تغيير التوازنات الطائفية القائمة، على الرغم من الاتفاق على مبدأ المناصفة في المناصب السياسية والادارية العليا، بغض النظر عن التوزيع العددي للطوائف”، لافتاً إلى أن “الدول التي تخطط للمستقبل، يتم فيها تحديد أسباب تراجع النمو السكاني بعد إجراء مسح سكاني شامل وتفصيلي لا تكون الطوائف محوره، وهذا أساسي لوضع الخطة التي ستطرح الحلول”.
بين 2016 و2022 تراجع النمو السكاني
تجدر الاشارة الى أن المعلومات الديموغرافية ليست دقيقة، لأنها تستند الى معطيات غير رسمية كأعداد الطلاب أو الناخبين وغيرها، في ظل غياب التعداد الرسمي. ويشير تقرير “الدولية للمعلومات” الى وجود أخطاء في هذه الأرقام منها أسماء المتوفين التي لم تشطب من السجلات.
وبحسب الأرقام الصادرة عن المديرية العامة للأحوال الشخصية في وزارة الداخلية، ولد 354 ألف فرد في لبنان، مقابل 100 ألف حالة وفاة، وبالتالي زيادة سكانية قدرها 254 ألف فرد، وبمتوسط سنوي بلغ 63 ألف فرد، خلال الأعوام 2016 و2019.
الخبير الاقتصادي أحمد قاسم شرح لـ “لبنان الكبير” أن “هناك عدة عوامل جغرافية تؤثر على النمو السكاني، أولاً المناخ الملائم يسمح بنمو سكاني أفضل، فمثلاً في الصحراء يكون أقل لأن موارد الحياة تكون قليلة أما المناطق وفيرة الأمطار فتجذب السكان، وهنا نرى أن المناطق الزراعية يكون عدد سكانها كبيراً. كما أن وجود الموارد الطبيعية تؤدي الى زيادة النمو. والأمن يؤثر أيضاً، فالمناطق المستقرة تشهد نموّاً على عكس مناطق الحروب التي ينخفض فيها نمو السكان، كذلك للصناعة دور كبير فالدول الصناعية لديها عدد كبير من السكان والعمال وتلجأ أحياناً الى استقطاب العمال من الخارج”.
لكن عدد الولادات انخفض بين 2020 و2023 إلى 271 ألف فرد، فيما ارتفع عدد الوفيات إلى 119 ألف حالة، وبالتالي بلغت الزيادة السكانية 152 ألف فرد فقط، بمتوسط سنوي قدره 38 ألف فرد.
يرجع سبب الانخفاض الى الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد منذ العام 2019، وعند مقارنة أعداد الولادات والوفيات قبل الأزمة وبعدها، يظهر تراجع النمو السكاني في لبنان بنسبة 39.8 في المئة.
وأشار قاسم الى أن “من العوامل التي تؤدي الى تراجع النمو السكاني، تدني الخصوبة وهجرة الشباب وانخفاض نسب الزواج. وبحسب الدراسات الأخيرة المتعلقة بلينان، تراجع النمو السكاني حوالي 40%، وفاقت الوفيات عدد الولادات، والزيادة السكانية كانت ضئيلة أو شبه معدومة في المدن، فيما ارتفع عدد السكان في المناطق الزراعية كعكار والشمال والجنوب”.
الواقع عام 2023
وصل عدد الولادات عام 2023 إلى 66 ألف فرد، منهم 34 ألف ذكر و32 ألف أنثى، مقابل 26 ألف وفاة، منهم 14 ألف ذكر و12 ألف أنثى، أي بزيادة 40 ألف فرد، موزعين بين 20 ألفاً ذكوراً و20 ألفاً إناثاً.
وبحسب جدول أعدته “الدوليّة للمعلومات”، استناداً الى أعداد الولادات والوفيات الصادرة عن المديرية العامة للأحوال الشخصية، اختلفت معدّلات الولادات والوفيات عام 2023 تبعاً للأقضية، بحيث ارتفعت في الأقضية ذات “الأكثرية المسلمة” وانخفضت في تلك ذات “الأكثرية المسيحية”. وسجّل قضاء عكار الزيادة الأعلى (7 آلاف فرد) وبعلبك الهرمل (6 آلاف فرد) وصور (3 آلاف فرد). أما الزيادة الأدنى ففي قضاء المتن، حيث سجل (11 فرداً) فقط، يليه كسروان (69 فرداً) وبشرّي (87 فرداً).
وأكد قاسم أن “من الآثار المترتبة على نمو السكان، ارتفاع كلفة المعيشة لأن الطلب على السلع والخدمات يصبح أكبر وبالتالي ترتفع الأسعار، على سبيل المثال كانت حاجة لبنان 2000 ميغاواط للكهرباء، لكن مع النزوح السوري وازدياد عدد السكان أضعافاً، أصبحت الحاجة أكبر وهو ما يفسر ارتفاع السعر. حتى الخدمات ازداد الضغط عليها وارتفع سعرها كالخدمات الطبية والتعليمية وليس المأكل والمشرب فقط”، لافتاً الى أن “الزيادة السكانية تؤدي الى إضعاف الموارد الطبيعية وقدرتها، فالنهر الذي كان يكفي 1000 نسمة يصبح عاجزاً مع ارتفاع عدد السكان الى 1500 نسمة. كذلك تتدهور البيئة بسبب الاستعمال العشوائي للموارد الطبيعية”.
كما أوضح أن “مشكلة الزيادة السكانية كبيرة جداً لأن علاجها ليس سهلاً، فهو يتطلب توعية للمجتمع ككل، وتخفيف هذا النمو بطريقة فجائية يؤدي الى اختلالات في نظام الدولة المجتمعي. والزيادة السكانية مع قلة الموارد تؤدي الى ظهور الجريمة وتفشي البطالة وقلة فرص العمل وحاجة الناس الى الدخل وكل أساليب الاحتيال لأن المصادر قليلة والناس تزداد حاجتها الى المال”.


