الضريبة الموحدة خيار إصلاحي… وتطبيقها على الدخل خطوة أساسية

جوان العك
وزارة المالية

من المعروف أن الضريبة رسم تفرضه الدولة لتحصيل إيرادات، تمكنها من توفير الخدمات والبنى التحتية وتمويلها. لكن النظام الضريبي اللبناني مشرذم، ويتصف باللامساواة، بحيث يلقي بعبء الضرائب على كاهل الطبقتين المتوسطة والفقيرة، فيما تمس الطبقة الغنية نسبة لا تذكر منها.

وتتنوع الضرائب بين مباشرة وغير مباشرة، المباشرة تفرض ويدفعها الأفراد مباشرة الى الحكومة، كضريبة الدخل (على الرواتب والأجور، على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة، على أرباح المهن والأعمال) وضريبة الشركات وضريبة الاستقطاع. أما الضرائب غير المباشرة، فيتم تحصيلها عن طريق جهة ثالثة، أي لا تدفع مباشرة من الأفراد أو الشركات الى الحكومة، كالضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية والرسوم الانتقائية. 

النظام الضريبي اللبناني: لمحة تاريخية

شهدت فترة ما قبل الحرب الأهلية انخفاضاً للعبء الضريبي (نسبة الاقتطاع الضريبي الى الناتج المحلي الاجمالي) وغلبة للضرائب غير المباشرة، خصوصاً الرسوم الجمركية منها، مقابل انخفاض نسبة الضرائب العامة لا سيما على الدخل.

وأصبحت مهمة النظام الضريبي، بعد الحرب، محاولة النهوض بالاقتصاد واعادة الإعمار، عن طريق تحصيل أكبر قدر من الايرادات لخزينة الدولة، بشكل يقلص عجز الموازنة، كذلك تحفيز القطاع الخاص على الاستثمار. لذا قامت الحكومة أواخر العام 1997 بتعديلات على قانون ضريبة الدخل، من بينها خفض الضريبة على دخل المؤسسات الفردية وخفض ضريبة الدخل المقطوع على شركات الأموال والغاء الضرائب على الفوائد، كذلك خفض الضرائب على الأملاك المبنية.

أما في ما يتعلق بالضرائب غير المباشرة، فقد زادت الرسوم على المحروقات والتبغ والكحول ومركبات السير وغيرها، بموجب قوانين موازنات الأعوام 1993 الى 1998.

ونتيجة لهذه الاجراءات، تضاعفت الايرادات الضريبية، والضرائب غير المباشرة أكثر من 3.5 مرات، وزادت الضرائب المباشرة بنسبة 67 بالمئة. لكن خصائص النظام الضريبي بقيت على حالها قبل الحرب وبعدها، وارتفع الاقتطاع الضريبي من 11.5 بالمئة الى 12.5 بالمئة، وانخفضت ايرادات الضرائب غير المباشرة من 77 بالمئة الى 75 بالمئة، في المقابل ارتفعت حصة الضرائب المباشرة من 22.5 بالمئة الى 24.5 بالمئة، فيما استمر عجز الموازنة في الارتفاع كذلك نسبة التضخم، وبالتالي لم تحقق هذه الاجراءات الأهداف المرجوة ولم يشجع خفض ضريبة الدخل على الاستثمار في القطاعات الانتاجية المشغلة لليد العاملة.

ومع عودة الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى الحكم، تغير الواقع الضريبي، وتضمنت موازنة 2001 خفضاً للرسوم الجمركية، كذلك خفض اشتراك أصحاب العمل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من 38 بالمئة الى 23 بالمئة. لكن الحكومة عادت الى اعتماد سياسة التقشف، أي لجم الانفاق وزيادة الايرادات الضريبية، بسبب الضغوط على احتياطي البنك المركزي من العملات الصعبة.

وفي أوائل العام 2002، بدأ العمل بضريبة القيمة المضافة بمعدل 10 بالمئة مع اعفاء بعض السلع، وبقاء البنزين خاضعاً لهذه الضريبة. وبهذا ارتفع العبء الضريبي من 13.7 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي عام 2001، الى 17.8 بالمئة عام 2009، وانخفضت نسبة الضرائب المباشرة من 33.7 بالمئة الى 31.5 بالمئة في الفترة ما بين 2001 و2009، مقابل ارتفاع حصة الضرائب غير المباشرة من 66.5 بالمئة الى 68.5 بالمئة. 

الضرائب في 2022 و2023

تشير أرقام البنك الدولي وشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، الى تفاوت الضرائب، بعضها تصاعدي والبعض الآخر ثابت. وأوضح الخبير الاقتصادي والمحاضر في الجامعة اللبنانية أحمد جابر لـ “لبنان الكبير” أنه لا يمكن القول إن موازنات 2023 و2024 ومشروع موازنة 2025 حملت في طياتها إعفاءات ضريبية، “ولكن للأسف لم تأخذ في الاعتبار فرض ضريبة على الأملاك العقارية أو ضريبة على الأملاك البحرية وغيرها من الضرائب، أو حتى ضرائب على بعض السلع الكمالية، وجميعها تسهم في زيادة الواردات العامة”، معرباً عن أسفه لأن “الكثير من الضرائب أصبح مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بسعر صرف الدولار أمام الليرة، وهذا أدى الى زيادة العبء المكلف بالدفع في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة”.

وتأتي نسب بعض الفوائد على الشكل التالي:

  • الضريبة على الرواتب والأجور: تصاعدية تصل الى 25 بالمئة مع مزايا تفضيلية للرواتب بالدولار الأميركي مقارنة بالرواتب المسددة بالليرة اللبنانية، من خلال خفض قيمة الدولار الى 15 ألف ليرة، أي أقل من قيمته الفعلية.
  • الضريبة على تسجيل الأملاك: ثابتة بقيمة 5.8 بالمئة، وعلى الميراث الضريبة تصاعدية تتراوح بين 4 و40 بالمئة. لكن الثغرة في هذه الضريبة هي أن السرية المصرفية تسمح بنقل الثروات من دون علم الدولة.
  • الجمارك: 84 بالمئة من البنود التعريفية تتراوح بين صفر و5 بالمئة من قيمة السلع، وتعتبر ثاني أكبر مصدر للإيرادات الضريبية مشكلة 20 بالمئة من اجمالي الإيرادات الضريبية.
  • إيرادات الفوائد: ثابتة بنسبة 10 بالمئة خلال الفترة ما بين 2020 و2022.
  • المكاسب الرأسمالية للأفراد والأرباح: ثابتة بنسبة 10 بالمئة.
  • الإيجارات: تصاعدية تتراوح بين 4 و14 بالمئة.
  • الطوابع المالية: بعضها سعره ثابت والبعض الآخر متفاوت.
  • الضريبة على القيمة المضافة: ثابتة بنسبة 11 بالمئة، وهي أكبر مصدر للإيرادات الضريبية وتشكل 36 بالمئة من اجمالي هذه الإيرادات، مع اعفاء الاحتياجات الأساسية (نفط، تعليم، صحة، نقل عام، مواد غذائية أساسية). ولفت جابر الى أنها ” ضريبة عامة على الانفاق (الاستهلاك)، تستفيد منها الدولة في زيادة وارداتها، والمشتري النهائي أو المستهلك النهائي هو من يتحمل العبء الضريبي”.
  • أرباح الشركات: ثابتة بنسبة 17 بالمئة، وهي أقل من المتوسط العالمي البالغ 20 بالمئة.
  • المكاسب الرأسمالية على العقارات: تصاعدية تصل الى 15 بالمئة. لكن الثغرة في الإعفاء الضريبي على المكاسب الرأسمالية عند نقل الأسهم من شركة مساهمة لبنانية الى أخرى (يمكن شراء الأسهم وبيعها في الشركات التي تمتلك عقارات وتحقيق مكاسب رأسمالية من دون دفع الضرائب).

وعن الاصلاح الضريبي، رأى جابر أن “أولى الخطوات تبدأ بالنظام الضريبي، وتطبيق الضريبة الموحدة على الدخل هي خطوة أساسية في طريق الإصلاح. ولا يبدأ الاصلاح الضريبي بفرض ضرائب إضافية أو بزيادة معدلات الضريبة، انما بالعدالة الضريبية منعاً للتهرب الضريبي وضرورة الأخذ في الاعتبار أن الضريبة هي أحد أساليب تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتنميته. كما يجب أن تكون الضريبة عادلة منتجة، وأداة للتدخل وللتوحيد الاقتصادي والاجتماعي وتتلاءم مع ظروف المكلف”.

كذلك عرّف الضريبة الموحدة أو العامة على الدخل بأنها “تقوم على معرفة الدخل الاجمالي للمكلف دفعة واحدة، ومن ثم يصار الى فرض الضريبة المقررة بحسب المحدد لها، ومن حسناتها أنها تزيد من المردود والايرادات العامة، خصوصاً عند تطبيق الضريبة التصاعدية”، مؤكداً أن “اعتماد الضريبة الموحدة على الدخل هو خيار إصلاحي بالدرجة الأولى، ويسهم في زيادة المداخيل العامة على المستوى المالي. أما على المستوى الاجتماعي، فيسهم في إعادة توزيع الثروة ويقلل التفاوت الاجتماعي”.

شارك المقال