اتصل وزير الاعلام برئيس التحرير ذات صباح ليبلغه أنه سوف يرسل إليه عبر الفاكس بعض قصاصات من مقالات في صحف دولة مجاورة، حفلت بالشتائم والسخائم والفضائح والانتقادات بحق دولته، ووعده بأن يقوم بتزويد الصحيفة بوثائق لفضائح مضادة، تستطيع الصحيفة استخدامها ضمن حملة إعلامية مضادة لحملة صحافة الدولة المجاورة.
حمل رئيس التحرير قصاصات وزير الاعلام، الى مكتبي، وبسطها أمامي مستحثاً إياي أن أتولى الرد على تطاول صحافة الجوار على مقام دولة صحافتنا.
طلبت من رئيس التحرير إعطائي مهلة، لمطالعة فحوى الحملة الاعلامية لصحافة البلد المجاور، قبل أن أضع تصوراً مناسباً للرد عليها.
بعد مطالعة في حملة “الردح” الصحافية في صحافة البلد المجاور، كنت قد تبينت خلفياتها، ودوافعها، وأدواتها، وطبيعة مداخل الرد و”الردح”، واستقر قراري على أن الصواب والحكمة يقتضيان، معالجة مختلفة. فالتعامل مع الجوار المباشر يكون محفوفاً في الغالب بحساسيات مزمنة، قد لا تسمح باحتمال ما يمكن احتماله من آخرين، والتجاوز عنه.
أدركت أن وراء طلب وزير الاعلام، ضغوطاً من رؤسائه في الحكومة، وأن الرجل تحت الضغط يريد إبراء ذمته أمام المسؤول الأول، أو أمام قيادته، وكنت أدرك أيضاً حرج موقف رئيس التحرير، الذي ربما يشعر أن استمراره في مقعده بات رهن قدرته على الوفاء بمتطلبات البقاء، وأهمها الطاعة المطلقة والولاء التام، وأن عليه من ثم أن يستجيب بتقديم المطلوب منه وأكثر.
كانت حساباتي وتقديراتي، تشير الى أن ثمة أزمة في علاقات الجارين، قدرت أنها “عابرة” وأن المطلوب فقط هو استعراض القدرة على الرد، والتلويح بأن ما تحت أيدينا أكثر بكثير مما نشرناه، وأنه ما لم تتوقف الحملة في صحافة الجوار، فإن حملة صحافية جهنمية قد لا تكتفي بحرق أصابع الجوار، بل انها قد تحرق الجوار كله.
عدت الى بيتي معتل المزاج، بسبب هذا المأزق الذي وضعتني فيه الظروف، لم أكن راغباً، ولا مستعداً لارتكاب حماقة “الردح” الصحافي، لمجرد استرضاء مسؤول كبير، يريد بدوره استرضاء رؤسائه، وكنت وما زلت أعتقد، أن من الحماقة في علاقات الجوار بالذات انتاج أسباب لحساسيات مزمنة تتوارثها الأجيال وتنتج عداوات باهظة الكلفة.
مستعيناً بقدح من القهوة وبعض لفافات الدخان، استطعت تدبير حل يتيح لي الخروج من المأزق، وطرح بديل متحضر أو “مثقف” يسكت إلحاح كبار المسؤولين على بدء حملات شتم رادعة.
كان الحل الذي استقر عليه رأيي، هو ألا نرد بأنفسنا على حملات صحافة البلد المجاور، وأن ننتقي بعناية من بين كبار الكتاب والصحافيين في البلد المجاور ذاته من يتولون الرد على زملائهم، سواء بالنشر في صحافتنا، أو بالنشر في صحافة البلد المجاور نفسه.
وضعت مقترحات بأسماء رؤساء تحرير وكتاب وصحافيين ومسؤولين سابقين في البلد المجاور، يبدأ مراسلنا هناك الاتصالات معهم لاستكتابهم في الأزمة القائمة. واقترحت خطة للنشر على مدى زمني ممتد، كنت واثقاً من ترحيب المسؤولين بها، بل وكنت على ثقة تامة بأن أوامر عليا سوف تصدر بعد أيام قليلة تطالبنا بالتوقف عن نشر مقالات تتناول الأزمة مع بلد الجوار، وأن حلولاً هادئة سوف يمكن التوصل اليها بين قيادات البلدين.
حملت الخطة مبكراً في الصباح الى مكتب رئيس التحرير، الذي استشعر في البداية أنني خذلته، وتخليت عن دعمه، في مهمة كلفه بها وزير الاعلام شخصياً، لكنني أقنعته بإرسال الخطة الى الوزير، الذي بوسعه أن “يستمزج” آراء قياداته بشأنها.
اقتنع رئيس التحرير، وأرسل خطة التعامل الاعلامي لصحيفتنا مع الحملة الصحافية ضد صحافة البلد المجاور، ثم اتصل بي بعد أقل من ساعتين ليخبرني أن مسؤولاً كبيراً جداً في الدولة، قد أثنى بشدة على خطة الجريدة، وأمر باعتمادها كخطة للدولة يجري تكليف رؤساء تحرير الصحف الوطنية كافة بها.
شرعنا في تنفيذ الخطة، وتمكنا من استكتاب أقلام مؤثرة، وشخصيات عامة في البلد المجاور، للنشر في صحيفتنا وفي بعض صحف البلد المجاور، وانتقلت المعركة الى ملعب الخصم، وبدا وكأن ثمة انقساماً في صحافة البلد المجاور، حول الخصومة معنا. وما هي الا أيام قليلة، حتى تلقى رئيس التحرير مكالمة من وزير الاعلام تخبره، بوقف الحملات المضادة من جانبنا بناء على طلب القيادة في البلدين الجارين.


